كريس جايلز
مع اشتداد أزمة الطاقة في وقت سابق من العام، قدّم صندوق النقد الدولي نصيحته المعتادة للدول بشأن كيفية التعامل مع آثارها إذا أرادت التخفيف من وطأتها على الأسر والشركات.
وأكد أن أي إجراءات دعم ينبغي أن تكون سريعة، وموجهة إلى الفئات المستحقة، ومؤقتة. وبالفعل، سارعت الحكومات إلى التحرك، وتم تطبيق نحو 900 إجراء في 170 دولة حتى منتصف يونيو، وفق أحدث الإحصاءات، للتخفيف من آثار الصدمة.
لكن معظم هذه الإجراءات جاء واسع النطاق، ولم يحدد له موعد لانتهائه، كما اعتمد على دعم أسعار الطاقة، وهو ما أضعف الحافز على ترشيد الاستهلاك في خضم أزمة طاقة حادة. الأسوأ من ذلك، أن إلغاء هذه الإجراءات في المستقبل لن يكون مهمة سهلة.
ولا تعكس إعانات الطاقة هذا العام مجرد تجاهل لنصائح صندوق النقد الدولي، بل تمثل أحدث حلقات اتجاه عالمي متنامٍ يقوم على معالجة المشكلات عبر مزيد من الاقتراض الحكومي، وترك العجز المتزايد والديون المتراكمة لتتعامل معها الحكومات المقبلة.
وأصبح هذا النهج مألوفاً في الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي. وفي فرنسا، عجزت الحكومات طويلاً عن كبح العجز المرتفع بما يتوافق مع الأهداف الأوروبية.
أما الحكومة الألمانية الحالية، فقد قررت زيادة الاقتراض لإصلاح البنية التحتية المتداعية وتعزيز قدراتها الدفاعية.
وفي اليابان، تعهدت الحكومة بخفض جديد للضرائب وإطلاق برنامج ضخم للاستثمار العام والخاص، بينما أعلن رئيس الوزراء البريطاني الجديد، آندي بورنهام، أنه سيستفيد من المرونة المتاحة في قواعد الموازنة للسماح بمزيد من الاقتراض.
رغم ذلك، لم يرافق هذا التوسع المالي أي تنسيق على المستوى الدولي. فمجموعة العشرين باتت بالكاد تتفق على أي قضية، وفي أبريل الماضي لم يتمكن وزراء ماليتها حتى من إصدار بيان مشترك مقتضب يوضح ما إذا كانت موجة الاقتراض والإنفاق الحالية خطوة رشيدة أم لا.
لم يكن الوضع دائماً على هذا النحو؛ ففي قمة مجموعة العشرين التي عقدت في تورونتو عام 2010، تعهدت الاقتصادات الكبرى بإصلاح أوضاعها المالية العامة بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009.
وجاء في البيان الختامي آنذاك أن «سلامة المالية العامة ضرورية للحفاظ على التعافي الاقتصادي، وتوفير المرونة في مواجهة الصدمات الجديدة، وضمان القدرة على التعامل مع تحديات شيخوخة السكان، وتجنب تحميل الأجيال المقبلة إرثاً من العجز والديون».
وبصرف النظر عن الجدل بشأن المسار الأمثل لضبط أوضاع المالية العامة خلال العقد الماضي، فإن الحاجة اليوم أصبحت أكثر إلحاحاً. فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي، ارتفعت الديون الحكومية الإجمالية بصورة كبيرة.
ففي عام 2010، بلغت نحو 94% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة و37% في الاقتصادات الناشئة، بينما يتوقع أن تصل هذا العام إلى 108% و77% على التوالي.
كما أن ارتفاع مستويات الدين ترافق مع ارتفاع تكاليف الاقتراض، ما جعل أوضاع المالية العامة في مختلف أنحاء العالم تبدو أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
وتشير دراسات حديثة أجراها صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية إلى أن العلاقة التقليدية بين ارتفاع الدين العام واتخاذ إجراءات لإصلاح المالية العامة لم تعد قائمة. فلم يعد ارتفاع الدَّين الحكومي يولّد ضغوطاً سياسية تدفع إلى خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب.
بل وجد بنك التسويات الدولية أن الحكومات أصبحت تلجأ بقوة إلى التحفيز المالي في أوقات الأزمات للحد من الخسائر، ولكنها، بدلاً من تحقيق فوائض في الفترات الاقتصادية الجيدة، أصبحت تستغل تلك الفترات أيضاً لزيادة الإنفاق وخفض الضرائب.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا تخلت الحكومات حول العالم عن نهج الحذر المالي؟
كان أحد التفسيرات خلال العقد الماضي يتمثل في أن أسعار الفائدة كانت منخفضة ومستقرة، ما وفر مبرراً للاستمرار في الاقتراض.
أما اليوم، فلم يعد هذا المبرر قائماً. رغم ذلك فنادراً ما تقدم الحكومات تفسيراً مقنعاً، مكتفية بالوعد بتحسين أوضاعها المالية مستقبلاً، ثم تعجز عن الوفاء بذلك.
غير أن التفسيرات الأكثر إثارة للقلق ترتبط بالتحولات الكبرى التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وبعجز السياسات الداخلية والدولية عن التعامل معها.
فالحرب الروسية الأوكرانية، وتوترات الشرق الأوسط، والمواقف الصينية الأكثر تشدداً، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية، كلها عوامل تزيد الضغوط على الحكومات لزيادة الإنفاق الدفاعي، مع غياب أي مؤشرات على انحسار هذه الضغوط خلال السنوات المقبلة.
كما أن التكيف مع تغير المناخ والحد من آثاره يتطلب إنفاقاً كبيراً منذ الآن.
وإلى جانب ذلك، تفرض شيخوخة السكان أعباء متزايدة على الحكومات لتمويل المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية وخدمات الرعاية الاجتماعية.
وحتى ثورة الذكاء الاصطناعي، رغم قدرتها المحتملة على رفع معدلات النمو الاقتصادي، ستفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة لتوفير الدعم للعاملين الذين قد يفقدون وظائفهم.
وكان من الممكن أن يسهم قدر أكبر من التعاون الدولي في الحد من هذه التكاليف.
فتعزيز الثقة بين الدول كان سيتيح تقليص الإنفاق الدفاعي، كما أن تنسيق الجهود العالمية لمواجهة تغير المناخ كان سيخفض كلفة التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة مستقبلاً.
كذلك كان من الممكن أن تساعد سياسات الهجرة المنظمة في تخفيف الضغوط الديموغرافية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حد سواء.
لكن من السذاجة الاعتقاد بأن أياً من ذلك سيحدث قريباً؛ ففي السنوات الأخيرة، أدت الانقسامات الجيوسياسية الحادة إلى تقويض معظم محاولات التوصل إلى حلول جماعية في ملفات التجارة والدفاع والمناخ والهجرة والضرائب.
كما أن الاستقطاب السياسي داخل كثير من الدول جعل من الصعب على الحكومات حشد التأييد الشعبي للقرارات الصعبة اللازمة لخفض عجز الموازنات.
وماذا عن مستثمري أسواق السندات الذين يُعرفون بـ«حراس السندات»؟ هل سيعيدون الانضباط إلى المالية العامة؟
حتى الآن، تعامل هؤلاء مع الحكومات بقدر كبير من التساهل، فلم يفعلوا أكثر من توجيه إشارات تحذير متفرقة، بدلاً من إرغام الدول على التعامل بجدية مع أوضاعها المالية.
لكن لا ينبغي إساءة فهم هذا الهدوء، فالتحولات الكبرى التي تضغط على المالية العامة مستمرة، والضغوط المالية تتزايد، بينما لا تبدي سوى قلة من الدول استعداداً حقيقياً لمواجهتها.
وقد يستمر هذا التعايش القلق لبعض الوقت، لكنه لن يدوم إلى الأبد.