لويز لوكاس
الاحتكارات تشبه كعكة عيد الميلاد؛ فقد تدوم مدة أطول بكثير مما يتوقعه الناس، لكنها في نهاية المطاف لا بد أن تنتهي.
فقد احتفظت شركة الهند الشرقية الإنجليزية بسيطرتها الخانقة على طرق التجارة لقرون، بينما تمكنت شركة «ستاندرد أويل» في الولايات المتحدة من الحفاظ على هيمنتها لعقدين تقريباً قبل أن تضع المحكمة العليا حداً لها عام 1911.
فأين يمكن تصنيف شركة «إيه إس إم إل»، المصنّعة لمعدات إنتاج الرقائق الإلكترونية، على هذا المقياس؟
أثارت الأنباء التي تحدثت عن أن الصين تطور نسختها الخاصة من معدات «إيه إس إم إل» المستخدمة في طباعة الرقائق مخاوف المستثمرين، ما أدى إلى هبوط سهم الشركة الهولندية بنحو 8% الأسبوع الماضي. لكن، ومن باب التوضيح، فإن احتكار الشركة لا يواجه خطراً وشيكاً.
فبحسب تقرير نشره موقع «ذي إنفورميشن» «The Information»، لا تزال الصين متأخرة جيلاً تقنياً كاملاً في مجال معدات الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة، المستخدمة في نقش الدوائر الإلكترونية الدقيقة على الرقائق.
وفوق ذلك، فإن هذه المعدات نفسها لا تزال، على الأرجح، متأخرة بنحو عقد كامل عن أجهزة «إيه إس إم إل» الأكثر تقدماً، التي تعتمد على تقنية الأشعة فوق البنفسجية القصوى.
وهذه فجوة أوسع بكثير من تلك التي يتعين على الشركات الصينية تجاوزها في مجالات مثل تصنيع الرقائق نفسها أو تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
صحيح أن الصين أثبتت قدرة لافتة على تسريع العمليات الصناعية بوتيرة مذهلة، لكن «إيه إس إم إل» احتاجت إلى 12 عاماً لإنتاج النموذج الأولي من هذه الأجهزة، ثم 8 أعوام إضافية حتى بلغت مستويات الإنتاجية التي أقنعت العملاء باعتمادها.
وعلى عكس الرقائق الإلكترونية أو نماذج اللغة الكبيرة، فتقنيات الطباعة الضوئية لا تنطبق عليها مقولة إن «المنتج الجيد بما فيه الكفاية يتغلب على الأفضل».
فهذه عملية شديدة التعقيد تتداخل فيها مكونات كثيرة، ويقاس مستوى الدقة على مستويات ذرية، بينما يبلغ هامش الخطأ المقبول مستوى متناهياً في الصغر مقارنة بصناعات أخرى، مثل السيارات الكهربائية.
كما أن تحسين الأداء بصورة مستمرة يتطلب تدفقاً دائماً للبيانات والملاحظات، وهو ما تحصل عليه «إيه إس إم إل» من خلال مئات الآلات التي تسلمها إلى عملائها كل عام، والتي توفر بيانات تشغيلية تساعدها على تطوير منتجاتها باستمرار. وحتى الآن، لا تستطيع الصين مجاراة هذا المستوى.
رغم ذلك، فإن عالم التجارة الذي بات أكثر انقساماً، في ظل حظر الولايات المتحدة تصدير أجهزة «إيه إس إم إل» للطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية العميقة إلى الصين، أجبر بكين على محاولة تطوير بديل محلي.
في الوقت نفسه لا شك في أن العقبات هائلة؛ فالشركة الهولندية تتمتع بأفضلية تراكمت على مدى 40 عاماً، وتعتمد على سلسلة توريد تضم نحو 100 ألف مكون مختلف.
كما حرصت «إيه إس إم إل» على ألا تفتح الباب أمام منافسين جدد من خلال تسعير معداتها عند مستويات يمكن وصفها بالعادلة نسبياً. ولهذا بلغ هامش الربح الإجمالي للشركة 54% في أحدث ربع سنوي، وهو أقل بنحو الثلث من هامش الربح الذي سجلته «Nvidia» في آخر نتائج مالية أعلنتها.
لكن الصين ستنجح في نهاية المطاف. فهي تمتلك وفرة من الكفاءات والموارد المالية، أو على الأقل حكومة قادرة على توجيه هذه الموارد نحو الأهداف التي تراها أولوية.
كما يتجاوز عدد العاملين في قطاع التصنيع والمهندسين في الصين نظيره في أوروبا والولايات المتحدة بفارق كبير.
والشركات الصينية تتمتع بمهارة استثنائية في بناء سلاسل توريد عالية الكفاءة وإدارتها، ويكفي النظر إلى شركة صناعة السيارات الكهربائية «بي واي دي» لإدراك ذلك. وإلى جانب ذلك، فإن دولة تعتمد خططاً تمتد لخمس سنوات لا تجد حرجاً في انتظار النتائج مهما طال الزمن.
كل ذلك يعني أن احتكار «إيه إس إم إل» لم يعد عصياً على المنافسة كما كان في السابق. ومن المرجح أن تفقد الشركة، عاجلاً أم آجلاً، مبيعاتها إلى السوق الصينية، التي مثلت نحو ثلث إيراداتها العام الماضي. في الوقت نفسه، يعلق المستثمرون أهمية كبيرة على المستقبل.
إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% من القيمة الحالية للشركة تعتمد على التدفقات النقدية المتوقع تحقيقها بعد عام 2035. فالاحتكار يمنح صاحبه قيمة كبيرة، لكن الحفاظ عليه هو التحدي الحقيقي.