فرصة ثانية لسوق سندات العائد المرتفع

كريستوفر شيلدون.. رئيس مشارك لقسم الائتمان والأسواق العالمية في شركة KKR

يدخل سوقُ السندات مرتفعةِ العائد، في اعتقادنا، المرحلةَ الأكثر نشاطاً وتأثيراً منذ سنوات.

ولعل السندات مرتفعة العائد كانت واحدة من أولى قنوات التمويل المبتكرة التي ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي، وظلت على الدوام جزءاً أساسياً من منظومة التمويل المعتمد على الرافعة المالية.

إلا أن هذا السوق شهد حالة ركود خلال العقد الماضي، إذ لم يتجاوز متوسط نموه السنوي المركب 0.9%.

أما ما تغير في الآونة الأخيرة، فهو تزامن مجموعة من العوامل التي تدفع النشاط بصورة متزايدة نحو سوق السندات، وتشمل تحولاً هادئاً في جودة السوق، وتطوراً في تفضيلات الجهات المصدرة، إلى جانب القيود الفنية التي تواجه سوق القروض المجمعة والتمويل المباشر.

فالعوامل التي تجعل السندات مرتفعة العائد خياراً جذاباً ليست جديدة، لكن الجديد هو أنها تجتمع كلها في الوقت نفسه.

أما وصف «السندات الرديئة»، فقد ظل حيث ينبغي أن يبقى، في حقبة مضت. فمع وصول نسبة السندات الأمريكية مرتفعة العائد الحاصلة على تصنيف «BB» إلى مستوى قياسي يبلغ 57%، وارتفاع النسبة في أوروبا إلى 68%، أصبحت جودة هذا السوق اليوم أقرب إلى سوق السندات ذات الدرجة الاستثمارية منها إلى الطرف الأكثر مضاربة في سوق الائتمان.

وجاء هذا التحول نتيجة انتقال عدد من الشركات المعروفة باسم «الهابطون من السماء» إلى مؤشر السندات مرتفعة العائد خلال جائحة «كوفيد 19» وما بعدها. وهي الشركات التي فقدت تصنيفها الاستثماري وانخفضت إلى فئة العائد المرتفع.

في الوقت نفسه، أدت الدورات الائتمانية المتعاقبة إلى خروج المقترضين الأضعف من السوق، بينما انتقل الجزء الأكثر مضاربة من السوق إلى القروض ذات الرافعة المالية والتمويل المباشر.

وأبرزت موجة بيع أسهم شركات البرمجيات خلال النصف الأول من عام 2026 مدى التغير الذي شهده هذا السوق.

فالبرمجيات تمثل نحو 3% فقط من سوق السندات الأمريكية مرتفعة العائد، مقارنة بنحو 13% من سوق القروض ذات الرافعة المالية، وأكثر من 20% من سوق التمويل المباشر.

وعندما أدى الاضطراب الناجم عن الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تسعير واسعة للديون المرتبطة بشركات البرمجيات، تأثرت أسواق الأسهم والقروض بصورة حادة، في حين أظهر سوق السندات مرتفعة العائد قدرة أفضل بكثير على الصمود. وهناك جانبان من هذا التحسن في الجودة يستحقان التوقف عندهما.

الأول هو المدة، وهي المقياس الذي يحدد مدى حساسية السندات للتغيرات في أسعار الفائدة.

فالمستثمرون في سوق السندات مرتفعة العائد اليوم يتعرضون، في المتوسط، لمخاطر أسعار فائدة أقل مما تعرضوا له في أي وقت تقريباً خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية.

وقد تبدو الفروق بين عوائد هذه السندات والعوائد المرجعية، التي يقبلها المستثمرون حالياً، ضيقة إذا نظر إليها بمعزل عن غيرها. لكن متوسط العائد الإجمالي الحالي، البالغ نحو 7.2%، لا يزال جذاباً مقارنة بمتوسطاته التاريخية.

أما الجانب الثاني، فهو الأولوية في استيفاء الحقوق. فالسندات المعروفة باسم سندات الرهن الأول، التي تمنح حامليها أولوية متقدمة في المطالبة بأصول المقترض عند التعثر، تمثل الآن 33% من السوق، وهو أعلى مستوى في تاريخها.

كما بلغت نسبة السندات المضمونة بأصول أو ضمانات عينية، أو ما يعرف بإجمالي الانكشاف المضمون، نحو 36%، مدفوعة جزئياً بالنمو السريع في تمويل مراكز البيانات من شركات تحمل تصنيف «BB»، والتي تمثل الآن نحو 3% من المؤشر، وجميع إصداراتها تقريباً مضمونة.

وبذلك، لا يقتصر الأمر على أن المؤشر أصبح أعلى جودة من حيث التصنيف الائتماني، بل أصبح أيضاً يتمتع بحماية هيكلية أفضل.

ويمتد هذا التحسن في الجودة إلى مستوى التقارير والإفصاح. فبما أن السندات مرتفعة العائد تصدر بموجب القاعدة 144A التابعة لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، فإن الشركات المصدرة تخضع لمعايير أعلى من الشفافية مقارنة ببعض بدائل التمويل المنافسة.

ويشمل ذلك إصدار مذكرات الطرح، وعقد مؤتمرات هاتفية لإعلان النتائج الفصلية، وفي كثير من الحالات تقديم تقارير سنوية وربع سنوية كاملة.

ولم تكن السندات مرتفعة العائد، تاريخياً، الخيار الأول لدى كثير من شركات الملكية الخاصة المالكة للشركات.

فقد أتاح الانتشار الواسع للتمويل المباشر إمكانية التفاوض الثنائي، والاعتماد على هياكل تمويل ذات أسعار فائدة متغيرة، وعدم الحاجة إلى التسجيل.

كما ضمن النمو السريع لسوق التزامات القروض المضمونة. وهي أدوات مالية تعيد تقسيم الديون إلى أوراق مالية متفاوتة المخاطر، وجود طلب مستقر على القروض ذات الرافعة المالية. وكثيراً ما جعلت هذه المزايا السندات خياراً يأتي في المرتبة الثانية.

لكن القيود أو الضوابط التي كانت في الماضي تدفع كثيراً من شركات الملكية الخاصة إلى العزوف عن السندات، مثل الاعتماد على التمويل ذي الفائدة الثابتة، والحماية من قيام الجهة المصدرة باسترداد السند قبل موعده، ووجود قاعدة واسعة ومستقرة من المستثمرين الذين يواصلون تسعير المخاطر عندما يتراجع الآخرون، هي نفسها المزايا التي يتطلع إليها السوق اليوم.

ومع ازدياد انتقائية المستثمرين في سوق التزامات القروض المضمونة، وتشدد شروط التمويل المباشر، أصبحت القدرة التي يوفرها سوق السندات على تنفيذ عمليات التمويل بدرجة عالية من اليقين أكثر جاذبية للشركات المصدرة.

أما بالنسبة للمستثمرين، فإن جاذبية السندات مرتفعة العائد اليوم لا تقوم على الرهان على مزيد من انكماش فروق العائد من مستوياتها الضيقة الحالية، بل على أن هذا السوق يوفر فرصة للاستثمار في ديون شركات أعلى جودة، بعائد لا يزال جذاباً من حيث مستواه المطلق، ويزداد جاذبية عند احتساب العائد في مقابل مستوى المخاطر.

أما بالنسبة للشركات المصدرة، فإن هذا السوق يوفر لها قدراً أكبر من اليقين في تنفيذ عمليات التمويل، إلى جانب الوصول إلى قاعدة عميقة ومتنوعة من المستثمرين.

ولهذا، فإن مبررات انطلاقة جديدة لسوق السندات مرتفعة العائد لم تكن يوماً أقوى مما هي عليه اليوم.