الصين ليست الحل لمشكلة تضخم أسعار الشرائح في أمريكا

كريس ميلر.. مؤلف كتاب «حرب الشريحة»
يستعد العالم هذا العام لإنفاق أموال على شراء شرائح الذاكرة، تفوق ما ينفقه على المشروبات الغازية أو الأحذية أو الهواتف الذكية؛ حيث سنخصص جميعاً نحو 0.7 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لشراء هذه الشرائح، وهو رقم يفوق متوسط العقود الثلاثة الماضية بستة أضعاف.

ورغم أن هذه الطفرة في الطلب معروفة للجميع، فإن الأرقام لا تزال مذهلة، فعلى مدار العقدين الماضيين بلغ متوسط الإنفاق على أشباه الموصلات 0.47 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي سنوياً، ذهب ربعه لصالح شرائح الذاكرة المستخدمة لتخزين البيانات في الأجهزة، من الهواتف إلى مراكز البيانات، أما هذا العام فمن المتوقع أن يصل إجمالي الإنفاق على أشباه الموصلات إلى 1.25 % من الاقتصاد العالمي، يذهب أكثر من نصفه لصالح شركات الذاكرة، بل إن إنفاق العام المقبل قد يتجاوز 1.5 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي نحو ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل ثلاث سنوات.

والسبب بطبيعة الحال هو الذكاء الاصطناعي، والتوسع الهائل في مراكز البيانات.

لقد بلغت القيمة السوقية لشركة «إنفيديا» نحو 5 تريليونات دولار، لأن العالم يخطط لإنفاق ما يقرب من خمسة أضعاف على شرائح الذكاء الاصطناعي مقارنة بما كان عليه الحال قبل ثلاث سنوات.

ومع قفزات الطلب استغلت «إنفيديا» الوضع بفرض أسعار مرتفعة، وهو ما تعكسه هامش أرباحها الإجمالية البالغ 75 %، وسار موردوها على النهج نفسه، حيث تخطط كل من شركة «TSMC» لتصنيع الشرائح، وشركة «ASML» لمعدات التصنيع لرفع أسعارها أيضاً،غير أن شركات شرائح الذاكرة تعد حالة فريدة في زيادات أسعارها؛ فقد أعلنت كل من «مايكرون» و«إس كيه هاينكس» عن هامش أرباح إجمالية تجاوزت 80 %، وسيخصص جزء من هذه الأرباح لتمويل قدرات إنتاجية جديدة، حيث تبني «سامسونج» و«إس كيه هاينكس» مصانع رئيسية جديدة في كوريا الجنوبية، بينما تتوسع «مايكرون» في تايوان والولايات المتحدة، وقد التزمت هذه الشركات بنفقات رأسمالية تقدر بعشرات الملايين من الدولارات هذا العام وحده، وأعلنت عن خطط إنفاق بمئات الملايين على مدار العقد المقبل، لكن الشركات حاولت أيضاً استغلال الطبيعة الدورية للسوق لرفع الأسعار إلى أقصى حد ممكن، ففي عام 2023 تكبدت شركات الذاكرة خسائر مع تراجع الأسعار في سوق يعاني فائضاً في المعروض.

وتعتبر شرائح الذاكرة في الهواتف والأجهزة الاستهلاكية منتجات سلعية عامة في معظمها، حيث لا تختلف منتجات أي مزود عن الآخر إلا بنسبة ضئيلة، ونادراً ما يوقع العملاء عقوداً طويلة الأجل أو يظهرون ولاء كبيراً لمزود معين، وكانت شركات الذاكرة تدرك تماماً أنها لن تجد من يدعمها أثناء فترات الركود، لذا لم ترَ سبباً يمنعها من رفع الأسعار خلال فترات النقص، إلا أن المختلف هذه المرة هو أن حجم الصناعة أصبح أكبر بكثير، وأصبح قادة العالم يتابعون ظاهرة «موجة تضخم أسعار الشرائح» عن كثب، ففي الشهر الماضي اتهم سيناتور الولايات المتحدة بيرني ساندرز شركة «أبل» بـ«الجشع المؤسسي» بعد أن رفعت أسعار أجهزة «ماك بوك» و«آيباد».

في المقابل ألقت «أبل» باللائمة على شرائح الذاكرة، التي تعد بالفعل واحدة من أكثر المكونات تكلفة في الأجهزة الإلكترونية، كما أن شركات السيارات مثل «جنرال موتورز» أرجعت زيادة تكاليفها إلى شرائح الذاكرة أيضاً.

وفي ظل القلق من التضخم وسط صدمة الطاقة الناجمة عن توترات الشرق الأوسط تسعى إدارة ترامب إلى خفض الأسعار، وأحد الخيارات المطروحة هو شراء المزيد من الشرائح من الصين.

لسنوات عديدة كانت الصين تعتمد بشكل كبير على الشركات الغربية في شرائح الذاكرة، لكن هذا الوضع تغير الآن، فقد شهد هذا الأسبوع الطرح العام الأول لشركة «CXMT» ومقرها مدينة هيفي الصينية، وتصنع «CXMT» شرائح «DRam»، وأصبحت لفترة وجيزة الشركة الأعلى قيمة في الصين، في صعود مذهل لشركة كانت تصنف حتى وقت قريب ضمن الدرجة الثانية.

وتعد «CXMT» رابع أكبر منتج لشرائح «DRam» في العالم، ولديها خطط للتوسع المستمر، وقد نجحت جزئياً، بسبب السماح لها بشراء بعض المعدات المتقدمة من الشركات الغربية، وإن كانت لا تشمل أجهزة الطباعة الضوئية بالأشعة فوق البنفسجية القصيرة المستخدمة في تصنيع شرائح الذاكرة الأكثر تطوراً.

ومن اللافت أن إدارة ترامب كانت تخطط العام الماضي لإضافة «CXMT» إلى «قائمة الكيانات» التابعة لوزارة التجارة، ما كان سيفرض عليها قيوداً أشد، وذلك قبل أن تتراجع عن القرار ضمن صفقة مع الصين بشأن الرسوم الجمركية والمعادن النادرة، ورغم ذلك حثت الحكومة الأمريكية الشركات الغربية على تجنب استخدام شرائح «CXMT».

وحتى وقت قريب كانت العديد من الشركات تبتعد عنها بالفعل، ولكن مع النقص الحاد في معروض الذاكرة بدأت هذه الشركات في إعادة تقييم خياراتها، فعلى سبيل المثال أفادت تقارير بأن شركة «أبل» طلبت موافقة البيت الأبيض لاستخدام شرائح «CXMT»؛ وهو ما يعد حلاً قصير النظر.

وفي الوقت الحالي يخصص معظم إنتاج «CXMT» من شرائح «DRam» للسلع التجارية العادية، وليس للذاكرة ذات النطاق الترددي العالي المستخدمة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن إذا تمكنت الشركة من اختراق مجال الشرائح المتقدمة فقد تعيد تشكيل صناعة الذاكرة بأكملها.

ويرى بعض المشترين لشرائح الذاكرة في شركة «CXMT» حلاً لمشكلة «تضخم أسعار الشرائح»، غير أن هذا الطرح يبدو غير حصيف، إذ يساور المنافسين الدوليين القلق من أن الشركة المرتبطة بالحكومة الصينية قد تتوسع في قدراتها الإنتاجية دون أدنى اعتبار للربحية، ما يوقع المشترين في فخ التبعية للإمدادات الصينية، فالأمر لا يتوقف عند حدود الأسعار قصيرة الأجل للذاكرة، بل يمتد إلى صناعة لم تكن يوماً أكثر استراتيجية مما هي عليه الآن.