كريس ميلر.. مؤلف كتاب «حرب الشريحة»
يستعد العالم هذا العام لإنفاق أموال على شراء شرائح الذاكرة، تفوق ما ينفقه على المشروبات الغازية أو الأحذية أو الهواتف الذكية؛ حيث سنخصص جميعاً نحو 0.7 % من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لشراء هذه الشرائح، وهو رقم يفوق متوسط العقود الثلاثة الماضية بستة أضعاف.
لقد بلغت القيمة السوقية لشركة «إنفيديا» نحو 5 تريليونات دولار، لأن العالم يخطط لإنفاق ما يقرب من خمسة أضعاف على شرائح الذكاء الاصطناعي مقارنة بما كان عليه الحال قبل ثلاث سنوات.
ومع قفزات الطلب استغلت «إنفيديا» الوضع بفرض أسعار مرتفعة، وهو ما تعكسه هامش أرباحها الإجمالية البالغ 75 %، وسار موردوها على النهج نفسه، حيث تخطط كل من شركة «TSMC» لتصنيع الشرائح، وشركة «ASML» لمعدات التصنيع لرفع أسعارها أيضاً،غير أن شركات شرائح الذاكرة تعد حالة فريدة في زيادات أسعارها؛ فقد أعلنت كل من «مايكرون» و«إس كيه هاينكس» عن هامش أرباح إجمالية تجاوزت 80 %، وسيخصص جزء من هذه الأرباح لتمويل قدرات إنتاجية جديدة، حيث تبني «سامسونج» و«إس كيه هاينكس» مصانع رئيسية جديدة في كوريا الجنوبية، بينما تتوسع «مايكرون» في تايوان والولايات المتحدة، وقد التزمت هذه الشركات بنفقات رأسمالية تقدر بعشرات الملايين من الدولارات هذا العام وحده، وأعلنت عن خطط إنفاق بمئات الملايين على مدار العقد المقبل، لكن الشركات حاولت أيضاً استغلال الطبيعة الدورية للسوق لرفع الأسعار إلى أقصى حد ممكن، ففي عام 2023 تكبدت شركات الذاكرة خسائر مع تراجع الأسعار في سوق يعاني فائضاً في المعروض.
وتعتبر شرائح الذاكرة في الهواتف والأجهزة الاستهلاكية منتجات سلعية عامة في معظمها، حيث لا تختلف منتجات أي مزود عن الآخر إلا بنسبة ضئيلة، ونادراً ما يوقع العملاء عقوداً طويلة الأجل أو يظهرون ولاء كبيراً لمزود معين، وكانت شركات الذاكرة تدرك تماماً أنها لن تجد من يدعمها أثناء فترات الركود، لذا لم ترَ سبباً يمنعها من رفع الأسعار خلال فترات النقص، إلا أن المختلف هذه المرة هو أن حجم الصناعة أصبح أكبر بكثير، وأصبح قادة العالم يتابعون ظاهرة «موجة تضخم أسعار الشرائح» عن كثب، ففي الشهر الماضي اتهم سيناتور الولايات المتحدة بيرني ساندرز شركة «أبل» بـ«الجشع المؤسسي» بعد أن رفعت أسعار أجهزة «ماك بوك» و«آيباد».
في المقابل ألقت «أبل» باللائمة على شرائح الذاكرة، التي تعد بالفعل واحدة من أكثر المكونات تكلفة في الأجهزة الإلكترونية، كما أن شركات السيارات مثل «جنرال موتورز» أرجعت زيادة تكاليفها إلى شرائح الذاكرة أيضاً.
لسنوات عديدة كانت الصين تعتمد بشكل كبير على الشركات الغربية في شرائح الذاكرة، لكن هذا الوضع تغير الآن، فقد شهد هذا الأسبوع الطرح العام الأول لشركة «CXMT» ومقرها مدينة هيفي الصينية، وتصنع «CXMT» شرائح «DRam»، وأصبحت لفترة وجيزة الشركة الأعلى قيمة في الصين، في صعود مذهل لشركة كانت تصنف حتى وقت قريب ضمن الدرجة الثانية.
ومن اللافت أن إدارة ترامب كانت تخطط العام الماضي لإضافة «CXMT» إلى «قائمة الكيانات» التابعة لوزارة التجارة، ما كان سيفرض عليها قيوداً أشد، وذلك قبل أن تتراجع عن القرار ضمن صفقة مع الصين بشأن الرسوم الجمركية والمعادن النادرة، ورغم ذلك حثت الحكومة الأمريكية الشركات الغربية على تجنب استخدام شرائح «CXMT».
وحتى وقت قريب كانت العديد من الشركات تبتعد عنها بالفعل، ولكن مع النقص الحاد في معروض الذاكرة بدأت هذه الشركات في إعادة تقييم خياراتها، فعلى سبيل المثال أفادت تقارير بأن شركة «أبل» طلبت موافقة البيت الأبيض لاستخدام شرائح «CXMT»؛ وهو ما يعد حلاً قصير النظر.
