زينب عثمان
عندما فرضت الولايات المتحدة، في وقت سابق من العام، رسوماً أولية مرتفعة على الخلايا والوحدات الشمسية المستوردة من الهند، بدا القرار في البداية كأنه جبهة جديدة في حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة صياغة النظام التجاري العالمي وفق مبدأ «أمريكا أولاً».
واليوم، تواجه إثيوبيا اﻷمر نفسه، بعد أن رفع 8 من صانعي الخلايا الشمسية الأمريكيين قضية موحدة ضدها، لكنّ هاتين الحالتين تكشفان سمة جديدة للحمائية التجارية في الوقت الراهن، وهي أن الوصول إلى أكبر سوق استهلاكي في العالم أصبح أكثر صعوبة أمام الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة، لأن التصنيع القائم على التصدير ظل أحد أكثر المسارات موثوقية للانتقال من الفقر إلى الازدهار.
وباستثناء الدول الغنية بمصادر الطاقة وعدد محدود آخر من الدول-المدن والجزر الصغيرة، اعتمدت معظم التجارب التنموية الناجحة على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، بدءاً من الثورة الصناعية في بريطانيا، مروراً بصعود ألمانيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وصولاً إلى الصين في العقود الأخيرة.
ولا يستند هذا المسار إلى التجارب التاريخية وحدها، بل تؤيده أيضاً الأدلة الاقتصادية، فقد أظهرت الدراسات أن التصدير إلى الأسواق الأكثر ثراء يعزز إنتاجية الشركات، ويرفع جودة منتجاتها، ويحفزها على تبني تقنيات أكثر تطوراً.
نتيجة لذلك تتوسع الشركات، وترتفع أجور العاملين، وتزداد دخول الأسر، فيما تنجح الاقتصادات في الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المضافة.
إلا أن هذا الطريق أصبح اليوم أكثر صعوبة. فما زال برنامج ترامب التجاري الشامل مستمراً دون هوادة، ورغم أن المحكمة العليا الأمريكية أبطلت في فبراير الماضي استخدام الإدارة بصورة واسعة لصلاحية فرض تعريفات جمركية طارئة، إلا أن واشنطن لجأت إلى مواد قانونية أخرى، بينها المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974.
في الوقت نفسه أطلق مكتب الممثل التجاري الأمريكي تحقيقات تستهدف ما يصفه بـ«فائض الطاقة الإنتاجية الهيكلي» في 16 اقتصاداً يعتمد على التصدير.
وتشمل القائمة اقتصادات متقدمة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية، إلى جانب دول متوسطة الدخل مثل بنجلاديش وإندونيسيا وفيتنام.
ولم يعد المبرر يقتصر على رصد انتهاكات قواعد التجارة، بل امتد ليشمل ما إذا كانت الفوائض التجارية لهذه الدول تضعف القدرة التنافسية للصناعة الأمريكية.
ويمثل هذا تحولاً في الإجماع العالمي بشأن التجارة الحرة، ويعكس ويلهم تغيير في السياسات في أماكن أخرى.
وتعود بعض ملامح هذا التوجه إلى ما قبل ولاية ترامب، فقد كانت التحقيقات التي أجرتها إدارة جو بايدن بشأن واردات الصلب والألمنيوم ستنتهي إلى فرض رسوم جمركية أعلى، في الوقت الذي قضت فيه منظمة التجارة العالمية بأن متطلبات التوريد في قانون خفض التضخم الأمريكي تنطوي على تمييز.
وعلى الجانب الآخر من الأطلسي، يفرض الاتحاد الأوروبي، من خلال آلية تعديل حدود الكربون، على مستوردي السلع كثيفة الانبعاثات دفع رسوم تعكس محتواها من ثاني أكسيد الكربون.
وبالنسبة لكثير من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، تمثل هذه الآلية أيضاً شرطاً جديداً لدخول الأسواق الأوروبية. وقد اعترضت دول مثل الهند وجنوب أفريقيا على الآلية، ولوحت بإمكانية اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية للطعن فيها.
ولا تمثل الصين بديلاً سهلاً بدورها. فرغم أن بكين منحت صادرات 53 دولة أفريقية إعفاء كاملاً من الرسوم الجمركية، وتواصل تنفيذ برامج تجارية مع اقتصادات متوسطة الدخل مثل البرازيل، فإنها لم تنسحب من الصناعات التحويلية منخفضة التكلفة التي شكلت تاريخياً بوابة دخول الدول الفقيرة إلى التجارة العالمية.
ففي قطاعات الملابس والأحذية والأثاث والألعاب وغيرها من الصناعات كثيفة العمالة، لا يزال المنتجون الصينيون يتمتعون بقدرة تنافسية هائلة، وحتى مع الإعفاءات الجمركية في السوق الصينية، تجد شركات الدول منخفضة ومتوسطة الدخل صعوبة في منافسة المنتجات الصينية، سواء في الأسواق الخارجية أو داخل أسواقها المحلية.
رغم ذلك لا تزال هناك فرص يمكن استثمارها، فتعزيز الأسواق الإقليمية يمثل أحد البدائل المطروحة.
وتبرز اتفاقية منطقة التجارة الحرة الأفريقية، التي وقعتها 54 دولة، إلى جانب اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة في آسيا، التي تضم أستراليا ونيوزيلندا، نموذجين لكيفية توظيف التكامل الإقليمي في إنشاء أسواق أوسع تضم اقتصادات متفاوتة في مستويات الدخل.
كما سيظل تنويع الشركاء التجاريين عاملاً أساسياً، وهو ما تعكسه الاتفاقيات التجارية الحديثة التي أبرمتها الهند وإندونيسيا وتكتل ميركوسور والاتحاد الأوروبي.
وتحتاج الدول النامية أيضاً إلى تبنّي نهج أكثر براعة في التفاوض، فإذا كانت الدول الغنية تسعى إلى تأمين إمدادات المعادن الحيوية أو السيطرة على الموانئ الاستراتيجية أو النفاذ إلى الأسواق الاستهلاكية، فعلى الدول الأفقر أن توظف هذه الأوراق للحصول على ما هو أبعد من مجرد إعفاءات جمركية، عبر التفاوض على استثمارات في القدرات التصنيعية، والبنية التحتية للنقل والربط، والشراكات التكنولوجية، والمشروعات المشتركة، وبرامج الدعم الفني.
ولا يعني ذلك أن طريق التصنيع القائم على التصدير قد أغلق نهائياً، لكنه لم يعد يستند إلى الافتراضات التي حكمت الاقتصاد العالمي لعقود، فلم يعد بإمكان الدول الأفقر التعويل على سوق عالمية تحكمها القواعد، تستوعب فيها الدول الغنية صادراتها، وتتسامح مع فوائضها التجارية الكبيرة.
فسلم الصادرات لم يختفِ، لكنه أصبح أضيق، وارتفاع المسافات بين درجاته يجعله أصعب في التسلق.