صناديق التحوط تراهن ضد شركات التنقيب المدعومة من واشنطن

هودجسون ورامسي هودجسون
بدأت صناديق التحوط تكثيف مراهناتها ضد شركات التنقيب الأمريكية عن المعادن الحيوية والنادرة، وينطلق هؤلاء المستثمرون من قناعة مفادها أن الدعم السخي الذي تقدمه إدارة الرئيس دونالد ترامب الذي منح القطاع دفعة هائلة، لن يكون كافياً لكسر قبضة الصين الاحتكارية على الإمدادات العالمية. 

وأظهرت بيانات إقراض الأسهم الصادرة عن مؤسسة «إس آند بي جلوبال ماركت إنتليجنس» ارتفاع البيع على المكشوف، وهي مراهنات على هبوط أسعار الأسهم خلال هذا العام ضد شركات بارزة، مثل «يو إس أنتيموني كوربوريشن» و«أمريكان ريسورسز كوربوريشن» و«إم بي ماتيريالز».

وكانت أسهم شركات المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، الضرورية لقطاعي التكنولوجيا والدفاع، قد ارتفعت لمستويات قياسية العام الماضي بعد ضخ الحكومة الأمريكية مليارات الدولارات في القطاع، عبر حصص ملكية وقروض وعقود حكومية، في محاولة حثيثة للفكاك من سيطرة بيكين وبناء سلسلة إمداد وطنية.

إلا أن القلق بدأ يتسرب إلى نفوس المستثمرين من أن هذا الارتفاع الحاد لأسعار الأسهم ربما تجاوز الحد المعقول، بالنظر إلى السنوات الطويلة التي يتطلبها إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية بشكل ملموس. ناهيك عن قدرة الصين على إحباط المنتجين الخارجيين عبر إغراق الأسواق بالمعادن.

وأوضح سيغفريد إيجرت، الرئيس التنفيذي لشركة «جريزلي ريسيرتش» للبيع على المكشوف، التي كتبت تقريرا انتقدت فيه «إم بي ماتيريالز»، أن بعض الأسهم صعدت بفعل «البلاغة السياسية»، إلا أنها تفتقر إلى المقومات الاقتصادية الكافية لدعم هذه الأسعار المرتفعة، رافضاً الكشف عن المراكز الاستثمارية لشركته.

وقد أسهم دعم إدارة ترامب لقطاع المعادن في إنعاش أسهم العديد من الشركات التي تنتج أو تطمح لتصنيع العناصر الأرضية النادرة المخصصة للمغناطيسات الدائمة في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن المعادن الداعمة لسلاسل التوريد الدفاعية مثل التنجستن والجرمانيوم والأنتيمون.

على سبيل المثال، تضاعفت أسهم شركة إم بي ماتيريالز، أكثر من 3 أضعاف العام الماضي، بعدما ضخت الحكومة الأمريكية استثمارات وضمنت حداً أدنى لأسعار بعض منتجاتها.

وهي الشركة التي شهدت دخول المستثمر الشهير تشامات باليهابيتيا ضمن صفقة استحواذ عام 2020.

كما تضاعفت أسهم «يو إس أنتيموني» نحو 3 أضعاف خلال عام 2025، إثر فوزها بعقد لتوريد الأنتيمون للبنتاجون بقيمة تصل إلى 245 مليون دولار، ناهيك عن تمويل إضافي بقيمة 27 مليون دولار في مارس الماضي تم اقتطاعه من مخصصات الطوارئ لأوكرانيا، ويضم مجلس إدارة الشركة الجنرال المتقاعد جاك كين، الذي وصفه الرئيس دونالد ترامب سابقاً بـ«رجله الأول» وقلده وسام الحرية الرئاسي عام 2020.

من جانبها، أعلنت شركة ري إليمينت تكنولوجيز، التابعة سابقا لشركة أمريكان ريسورسز والتي لا تزال تملك فيها حصة 17%، ويتولى رئيسها التنفيذي إدارة الشركتين، حصولها في يوليو على تمويل بقيمة 25 مليون دولار من وزارة الدفاع.

كما حصلت «يو إس إيه رير إيرث»، وهي شركة أخرى شهدت أسهمها قفزات صاروخية العام الماضي، على تمويل مشروط بقيمة 1.6 مليار دولار من وزارة التجارة مقابل حصة ملكية تبلغ نحو 10%.

وأصبحت هذه الأسهم الخيار المفضل لمضاربة المستثمرين الأفراد، حيث تدفقت نحو 200 مليون دولار من أموالهم إلى شركتي «يو إس أنتيموني» و«يو إس إيه رير إيرث» العام الماضي، مقارنة بأرقام لا تذكر في الأعوام السابقة، وفقاً لبيانات «فاندا ريسيرتش».

ورغم هذه الجهود الحثيثة في واشنطن، لا تزال الصين تحكم سيطرتها على معظم الإمدادات العالمية من المعادن الحيوية بفضل عقود من الاستثمار المتواصل.

وأشار تقرير حديث لمركز استراتيجيات المعادن الحيوية التابع لمؤسسة «سيف» غير الحكومية إلى أن قدرة الغرب على تحسين سلاسل إمداده لا تتوقف على الوصول للموارد الجيولوجية، بل على معالجة «فجوة التمويل المستمرة» من المؤسسات العامة، فبناء مناجم جديدة ومرافق معالجة يتطلب رؤوس أموال ضخمة وقد يستغرق عقدا من الزمن أو أكثر، ويرى بعض المستثمرين أن تمويل الحكومة الأمريكية لن يكون كافيا لإنهاء الهيمنة الصينية.

وقد ارتفعت نسبة الأسهم المقترضة، التي تعد مؤشراً للبيع على المكشوف، لشركة يو إس أنتيموني، من 23 إلى 42% من قيمتها السوقية هذا العام في الوقت نفسه، بلغت مراكز البيع المكشوف في «أمريكان ريسورسز»، وهي شركة لتدوير واستخراج المعادن لم تحقق أي إيرادات العام الماضي، نحو 23% مقارنة بـ 9% في نهاية العام الماضي، كما ارتفعت الأسهم المقترضة لشركة إم بي ماتيريالز، وهي أكبر منقب عن الأراضي النادرة في الولايات المتحدة بفارق شاسع في حين ارتفعت المراهنات ضد «يو إس إيه رير إيرث» المسجلة للخسائر والتي لم تبدأ الاستخراج بعد من منجمها في تكساس.

ويرى كريستيان بوتز، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «أي آر أي المحدودة للاستثمار»، أن الصين تحتكر عملياً معالجة المعادن النادرة، متوقعاً أنه إذا ما تشابه الحاضر بالماضي، فإن أسعار هذه المعادن قد تشهد ارتفاعات قياسية لفترة قصيرة قبل أن تعمد الصين إلى سحق السوق مجدداً.

وفي الشهر الماضي، أدرجت الصين شركتي «إم بي ماتيريالز» و«يو إس إيه رير إيرث» على قائمة قيود الصادرات بسبب علاقاتهما بالجيش الأمريكي، وذلك رداً على فرض واشنطن عقوبات مماثلة على شركات صينية من بينها «علي بابا».

وأصبحت الصين في العالم الواقعي هي اللاعب المهيمن الذي يملك أكبر قدر من أوراق الضغط، لأن جميع المنشآت الضخمة لمعالجة المعادن تقع على أراضيها.

وحسب مصادر مقربة من مارك جينسن، الرئيس التنفيذي لشركتي «أمريكان ريسورسز» و«ري إليمينت» فإن جزءاً كبيراً جداً من الارتفاع في عمليات البيع المكشوف على أسهم الشركة يعود إلى مضاربات التحوط على سنداتها القابلة للتحول بقيمة 862 مليون دولار، وليس مراهنة مباشرة ضد الشركة.

أما شركة «يو إس إيه رير إيرث» فقد رفضت التعليق على أسهمها، مكتفية بالقول إن الحاجة الاستراتيجية لتأمين سلسلة قيمة للمعادن النادرة خارج الصين أصبحت أكثر إلحاحاً، وأن تركيزها ينصب على التنفيذ لتلبية هذا الطلب.

في المقابل، قال غاري إيفانز، الرئيس التنفيذي لشركة «يو إس أنتيموني»، بأن الشركة بذلت جهودا مكثفة لبحث وتقصي من يقف خلف البيع المكشوف لأسهمها.