هيئة مستقلة للبنية التحتية في بريطانيا

جون أرميت.. الرئيس السابق للجنة الوطنية للبنية التحتية وهيئة تسليم مشروعات أولمبياد لندن

عندما وقف آندي بورنهام أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينج ستريت»، تحدث بصراحة عن الإخفاق الجماعي للسياسيين في مواكبة تحديات العصر الحديث. ودعا إلى أداء أفضل وإلى تحقيق ما يتطلع إليه المواطنون الذين يطالبون بالتغيير. ولعل البنية التحتية تمثل أوضح مجال يكشف الحاجة الملحة إلى الإصلاح.

وخلال حياتي، تعاقب على «10 داونينج ستريت» 19 رئيساً للوزراء، وشهدت البلاد في الوقت نفسه إنجازات استثنائية في مجال البنية التحتية. فقد أنشأنا أول محطة نووية تجارية في العالم، كما تولت الشركة التي كنت أترأسها تنفيذ أول 72 ميلاً من الطريق السريع «إم1» في غضون ما يزيد قليلاً على عامين، إلى جانب تشييد أولى منصات استخراج النفط في بحر الشمال. وحفرت المملكة المتحدة أحد أطول الأنفاق البحرية في العالم لربطها بفرنسا، ثم قمت بقيادة مشروع ربط هذا النفق بوسط لندن. كذلك أضيفت مئات الكيلومترات إلى شبكة مترو الأنفاق، وشهدت البلاد أول تحديث حقيقي لشبكة الصرف الصحي التي تعود إلى العصر الفيكتوري، بفضل مشروع نفق «ثيمز تايدواي».

لكن هذه الإنجازات لا تحجب سلسلة من الإخفاقات الكبيرة. فمنذ ما يقرب من أربعين عاماً، لا يزال الجدل دائراً حول إنشاء مدرج إضافي في مطار هيثرو. وعلى مدار العقد الماضي، منذ أن أصبحت عضواً في لجنة المطارات، لم يحرز هذا المشروع، الممول بالكامل من القطاع الخاص، أي تقدم يذكر. في حين تمكنت باريس من تجديد مدرجين، وأنجز مطار سخيبول في أمستردام تجديد أحد مدرجاته.

أما مشروع خط السكك الحديدية فائق السرعة «إتش إس2»، الذي كان ينبغي منذ البداية أن ينظر إليه باعتباره مشروعاً لزيادة الطاقة الاستيعابية لا السرعة، فقد تأخر سنوات، وارتفعت تكلفته إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف، لتتجاوز 600 مليون جنيه استرليني لكل ميل. وفي المقابل، تم إنفاق أكثر من مليار جنيه استرليني على مشروع معبر التايمز السفلي قبل أن تبدأ أعمال الحفر فعلياً.

وإذا كان بورنهام جاداً في تغيير آفاق بريطانيا على المدى الطويل، فعليه أن يعيد النظر في الطريقة التي تختار بها الحكومة المشروعات الكبرى وتمولها وتنفذها. والخطوة الأولى هي إجراء إصلاح جذري في «الهيئة الوطنية للبنية التحتية وتحول الخدمات». وهي الجهة الفنية المكلفة بإسداء المشورة للحكومة بشأن مشروعات البنية التحتية الكبرى.

في عام 2013، وخلال مراجعة مستقلة تم تكليفي بها، اقترحنا إنشاء هيئة خبراء مستقلة ترفع تقاريرها إلى البرلمان والرأي العام بشأن مدى كفاءة إنفاق أموال دافعي الضرائب على البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية. لكن الواقع مختلف، فالمؤسسة القائمة حاليا، رغم كفاءة عدد من العاملين فيها، تفتقر إلى الموارد والخبرات اللازمة، وصلاحياتها محدودة. لذلك فهي عاجزة عن طمأنة الجمهور وقطاع الأعمال والأسواق المالية إلى أن مشروعات الحكومة مدروسة بالفعل، وقادرة على تحقيق أثر اقتصادي إيجابي.

إن ما تحتاج إليه بريطانيا هو هيئة للبنية التحتية تضطلع بالدور نفسه الذي يؤديه مكتب مسؤولية الموازنة في السياسة المالية، هيئة مستقلة وذات مصداقية، تتمتع بثقل مؤسسي، وتمنح المستثمرين الثقة، وتسهم في الحيلولة دون اتخاذ الوزراء قرارات غير مدروسة.

وقد نشأت كثير من مشكلات البنية التحتية نتيجة تدخل الوزراء، خاصة من وزارة الخزانة ووزارة النقل، اللتين لا تدركان بالكامل، أو لا تعيران تهتمان، بالعواقب طويلة الأمد لقراراتهما. كما أن العقلية السائدة في وزارة الخزانة، التي تركز على تحقيق وفورات مالية محدودة على المدى القصير، تؤدي في كثير من الأحيان إلى إبطاء تنفيذ المشروعات الكبرى، ومن ثم رفع تكلفتها الإجمالية.

إلى جانب ذلك، أدى الشروع في تنفيذ مشروعات قبل اكتمال جاهزيتها، وبطء إجراءات التخطيط، وثقافة المبالغة في تجنب المخاطر، إلى فرض إجراءات لحماية الأسماك في محطة «هينكلي بوينت سي» النووية بلغت تكلفتها 700 مليون استرليني، بما في ذلك النظام الشهير المعروف باسم «ديسكو الأسماك»، فضلاً عن إنشاء نفق للخفافيش ضمن مشروع «إتش إس2» بكلفة 125 مليون جنيه استرليني.

وتنفق الحكومة حالياً نحو 160 مليار جنيه استرليني سنوياً على المشروعات الرأسمالية، لكنها تحتاج إلى زيادة هذا الإنفاق بنحو الثلث خلال العقد المقبل، بالتوازي مع استثمارات مماثلة من القطاع الخاص. وعندما تكون هذه المبالغ الضخمة على المحك، يصبح من الضروري التأكد من إنفاقها بكفاءة. ما يستدعي رقابة صارمة من خبراء مستقلين يحظون بالاحترام ويرفعون تقاريرهم إلى البرلمان.

البنية التحتية تملك القدرة على إحداث تحول جذري في مستويات المعيشة وآفاق الاقتصاد البريطاني. وإذا لم يتعامل بورنهام بجدية مع هذا الملف، فإن خطته لإعادة بناء البلاد محكوم عليها بالفشل. ولا يمكن السماح لبريطانيا بمواصلة السير في مسار التراجع.