كيرياكوس بيراكاكيس.. وزير المالية اليوناني ورئيس مجموعة اليورو
لذلك، وبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن مصادر جديدة للإيرادات، يجدر بنا أن نتساءل، هل تمتلك أوروبا بالفعل أصولاً استراتيجية لم تستثمر بعد على النحو الأمثل؟
ورغم أن الاتحاد الأوروبي نجح في بناء سوق موحدة للسلع والخدمات ورؤوس الأموال والأفراد، فإنه لا يزال يدير أحد أهم موارده الاستراتيجية من خلال 27 نظاماً وطنياً منفصلاً لتراخيص الطيف الترددي.
ولا يمكن لأوروبا أن تطمح إلى منافسة عالمية في قطاع الاتصالات، بينما تواصل تنظيم هذا القطاع وفق اعتبارات وطنية متفرقة.
ويؤدي ذلك إلى زيادة عدم اليقين التنظيمي، ورفع تكلفة رأس المال، وتعقيد التخطيط للاستثمارات طويلة الأجل، فضلاً عن إبطاء تطوير الشبكات. ويمثل الانتقال من شبكات الجيل الخامس إلى الجيل السادس فرصة نادرة لتصحيح هذا المسار.
فخلال السنوات المقبلة، ستحتاج الترددات الرئيسية المستخدمة في شبكات 5G إلى التجديد في مختلف أنحاء أوروبا، بينما لا يزال نطاق 6 جيجاهرتز (6425–7125 ميجاهرتز) غير مخصص حتى الآن.
وسيظل الطيف مملوكاً للدول الأعضاء، مع احترام التراخيص القائمة حتى انتهاء مدتها، لكن تخصيص الطيف الاستراتيجي مستقبلاً يجب أن يتم ضمن إطار أوروبي موحد، بجداول زمنية منسقة، وشروط تراخيص متناغمة، ومعايير فنية وأمنية مشتركة.
كما سيعزز تنافسية قطاع الاتصالات الأوروبي وقاعدته التكنولوجية، لأن سياسة الطيف الترددي الفعالة هي، في جوهرها، سياسة صناعية ناجحة. وهناك مكسب آخر لا يقل أهمية. فإيرادات تخصيص الطيف الترددي تذهب اليوم بالكامل تقريباً إلى الميزانيات الوطنية.
أما في إطار «اتحاد أوروبي للطيف الترددي»، فيمكن للدول الأعضاء الاحتفاظ بجزء من هذه الإيرادات، على أن يوجه ما يصل إلى 75 % منها إلى ميزانية الاتحاد الأوروبي بوصفها مورداً مالياً جديداً، بينما يخصص 25 % المتبقية لرأسمال تابع لبنك الاستثمار الأوروبي لدعم مشاريع الربط الرقمي والتكنولوجيا.
ويستطيع بنك الاستثمار الأوروبي مضاعفة أثر هذا الرأسمال عبر الاقتراض من الأسواق، ما يسمح بتمويل استثمارات تتجاوز قيمته الاسمية بكثير في مجالات مثل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والشبكات الرقمية.
وبهذا، لا يقتصر المقترح على إعادة توزيع الموارد، بل يوسع القدرة الاستثمارية لأوروبا ويخلق مصادر تمويل جديدة.
والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الدول قادرة على إدارة الطيف منفردة، بل ما إذا كان استمرار هذا التشرذم يمثل أفضل طريقة لإدارة أصل استراتيجي في اقتصاد رقمي عابر للحدود.
ولهذا، ينبغي ألا تقتصر ميزانية الاتحاد الأوروبي على تحديد كيفية إنفاق الموارد، بل أن تحدد أيضاً كيف يمكن خلق موارد جديدة وتعظيم قيمة الأصول التي تمتلكها أوروبا بالفعل.
