حماية التكنولوجيا النظيفة من التنين الصيني مهمة شاقة

ألان بيتي

دعونا من الحديث الفضفاض عن تصدي الاتحاد الأوروبي للتحدي الصيني لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، وأن الاتحاد الأوروبي يواجه مخاطر الاختناق في سلاسل التوريد وهيمنة قوى خارجية على التقنيات الحيوية، فما الذي ينبغي فعله لمواجهة ذلك؟

هناك دراستان سأستعرضهما اليوم.. الأولى، هي محاولة من «مبادرة شراكات التكنولوجيا النظيفة» غير الربحية، لتحديد نقاط ضعف الاتحاد الأوروبي في سلاسل توريد التكنولوجيا النظيفة وكيفية معالجتها.

والثانية هي دراسة لتقييم رسوم مكافحة الدعم التي فرضها الاتحاد الأوروبي عام 2024 على السيارات الكهربائية الصينية، أعدتها منظمة «النقل والبيئة» غير الحكومية. طبعاً لا يمكنني سوى تلخيصهما هنا، وأوصي بقراءتهما بتوسع.

لنبدأ بدراسة «مبادرة شراكات التكنولوجيا النظيفة»، التي تفحص 8 تقنيات، بعضها مهم ومنتشر كالبطاريات وطاقة الرياح البحرية، وأخرى أقل انتشاراً كالطاقة الحرارية من باطن الأرضية والأمونيا الخضراء.

خلصت الدراسة إلى أن استثمار ما بين 19 و36 مليار يورو في 10 سلاسل توريد مرتبطة بهذه التقنيات عبر أوروبا، يمكن أن يرفع الإنتاج في الدول الشريكة بنسبة تراوح بين 10 و15 بالمئة.

لاحظ هذا القدر الضئيل المطلوب تخصيصه، فيما تتجاوز الاستثمارات السنوية بقطاع الطاقة الأوروبي 600 مليار يورو. ووفقاً للدراسة إذا أرادت منطقة اليورو الاكتفاء الذاتي، فستحتاج لإنفاق مبلغ طموح يصل إلى 9.1 تريليونات دولار.

ولست في موقع يسمح لي بالفصل في التفاصيل الفنية الدقيقة، كقدرة الاتحاد الأوروبي على تأسيس قطاع متكامل للبطاريات يربط بين المكونات النشطة للكاثود وموادها الأولية وعمليات إعادة التدوير.

لكن هناك أمور لفتت انتباهي. فمن بين عشرات الإجراءات المطلوبة من الدول الشريكة، ورد ذكر الولايات المتحدة في إجراء واحد فقط. بينما كانت الأسماء الأكثر تكراراً هي كوريا الجنوبية واليابان وأستراليا وكندا والبرازيل، ورد فيها ذكر زامبيا للحديث عن النحاس مرات قليلة، وتركيا من أجل المحولات.

وقد ترغب إدارة الرئيس دونالد ترامب في جعل أمريكا المحور الأساسي لاتفاقية إنتاج وتوريد عالمية للعناصر الأرضية النادرة على سبيل المثال، لكن هذا التحليل لا يراهن على دور واشنطن كقائد.

ويبدو لي أن هذا الطرح صائب تمام، إذ يجب على الاتحاد الأوروبي، كقوة تجارية عظمى، أن يخوض لعبة عدم الانحياز نفسها التي تخوضها القوى المتوسطة التي يسعى للشراكة معها، بدلاً من الاعتماد على أمريكا.

ثانياً، لابد أن تتسم الإجراءات المطلوبة بالانتقائية والتنوع. إذ يتطلب كل قطاع أو منتج أدوات مختلفة للتعامل معه. مثل تشجيع الاستثمارات المباشرة، وإبرام عقود الشراء طويلة الأجل، وتأمين الواردات الاستراتيجية. وهذا النهج يعد بالتأكيد تحولاً نوعياً عن سياسة فرض الرسوم الجمركية الجزافية على كل شيء.

المسألة الحيوية والمجهولة هي كيف سترد بكين؟ فلقد كانت صريحة للغاية في تهديداتها بالانتقام حتى في المراحل الأولى من صياغة قانون «تسريع الصناعة» الأوروبي.

يمكنك بسهولة تخيل محاولة الصين تعطيل هذه الخطط عن طريق إغراق السوق بمنتجات تحاول الشركات الأوروبية إنتاجها بربحية، أو حجب مدخلات رئيسية كأداة ضغط، مثل المواد الأرضية النادرة.

وإلى جانب الخطط الاستراتيجية لتقليل الاعتماد على الصين، يجب وجود خطة تكتيكية للتعامل مع رد فعلها. ولا أتوقع أن يكتب أحد هذه الخطة علناً الآن، لكنني آمل أن تفكر المفوضية الأوروبية في شيء ما قبل البدء في هذا البرنامج.

هذا ما قد تبدو عليه السياسة الصناعية المعقدة متعددة الطبقات. فلا يمكنك أن تكتفي بفرض بعض الرسوم الجمركية ثم تأمل في الأفضل. وهذا تلخيص قاسٍ نوعاً ما للرسوم التي فرضها الاتحاد الأوروبي على السيارات الكهربائية الصينية المدعومة.

لقد صيغت تلك الرسوم بدقة وحسب كل شركة، لتشجيع الإقبال والسماح بحد كافٍ من المنافسة، مع منح الشركات الأوروبية مساحة للعمل. هل نجحت هذه الخطوة؟ في رأيي، ليس حقاً، وأعتقد أنه من المنصف القول إن هذا الرأي شائع.

أما دراسة منظمة «النقل والبيئة» فقد رصدت بعض المؤشرات الإيجابية للسياسة الأوروبية. فمنذ فرض الرسوم، تراجعت حصة السيارات الكهربائية المزودة ببطاريات صينية في السوق الأوروبية من 22 بالمئة عام 2024 إلى 17 بالمئة في الربع الأول من عام 2026.

بالتوازي مع هذا التراجع، بدأت شركات صينية تحركات جادة لتوطين إنتاجها داخل الاتحاد الأوروبي، مع إتاحة الفرصة لهذه الجهود حالياً في المجر وإسبانيا. غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرهوناً بحجم القيمة المضافة الفعلية التي ستوفرها تلك المصانع، وبعدد الوظائف المحلية التي ستخلقها، وهو أمر لم يحسم بعد.

في المقابل، لم تتغاض الدراسة عن مواضع الخلل. إذ قفزت واردات البطاريات والسيارات الهجينة التي لم تشملها الرسوم بشكل حاد، وكان يجدر بالاتحاد الأوروبي التنبؤ بذلك. وظلت السيارات المصنوعة في الصين أرخص من المصنوعة في الاتحاد الأوروبي بنسبة 21 بالمئة.

واقتصر جزء كبير من تراجع الواردات على شركات تصنيع السيارات الغربية، خصوصاً تسلا. بينما كان أداء العلامات التجارية الصينية أفضل. وعلى وجه الخصوص، ضاعفت شركة «بي واي دي» مبيعاتها لأكثر من الضعف، رغم فرض رسوم دعم عليها بنسبة 17%، إضافة إلى الرسم الجمركي القياسي البالغ 10%.

وكان الرد الصيني على الرسوم عبارة عن مزيج من خفض التكاليف، وهامش الربح، والتحول من السيارات الكهربائية بالكامل إلى الهجينة، وتوطين الإنتاج داخل الاتحاد الأوروبي.

وكما جاء في تقرير «مبادرة شراكات التكنولوجيا النظيفة»، يجب أن تكون تدخلات الاتحاد الأوروبي أكثر تعقيداً من مجرد فرض رسوم على فئة واحدة من الواردات إذا أراد اﻻتحاد بناء سياسة صناعية متماسكة.

واستناداً إلى ذلك اقترحت المنظمة توسيع الرسوم لتشمل البطاريات، وبذل جهود أفضل لمنع التهرب الضريبي، وتقديم حوافز لمنتجات «صنع في أوروبا». أما ما إذا كانت هذه التدابير ستحقق الأهداف المرجوة أم لا، فهذا ما ستكشفه الأيام، لكن الواضح أن رسوم مكافحة الدعم لعام 2024 لم تحققها.