غياب الصين يسهّل استثمارات كوريا الجنوبية في الولايات المتحدة

أرجون نيل أليم - سونغ جونغ-آه

في الوقت الحالي، تخوض الشركات الكورية الجنوبية، المدعومة بتدفقات مالية ضخمة جراء طفرة الذكاء الاصطناعي، حملة استثمارية هي الأكبر داخل الولايات المتحدة منذ سنوات.

وفي فرصة نادرة، أدى تراجع نشاط الشركات الصينية في الولايات المتحدة إلى خلق فراغ في سوق الاستحواذات سارعت الشركات الكورية لاستغلاله، ما أتاح لها اقتناص أصول أمريكية مغرية، بهدف التوسع في امتلاك قدرات تقنية متقدمة، ولتفادي الرسوم الجمركية التي يلوح بها دونالد ترامب، في إعادة توظيف لفوائضها المالية من الذكاء الاصطناعي.

ويبدو أن الشركات الكورية تعمل على تحقيق أهدافها بنشاط. فقد كشفت بيانات وزارة المالية في سيؤول أن الاستثمار الأجنبي المباشر الذي نفذته المجموعات الكورية الجنوبية في أمريكا خلال الربع الأول قد قفز لأكثر من الضعف مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليبلغ 10.2 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى له منذ نحو 5 سنوات.

كما ارتفع إجمالي الاستثمارات لعام 2025 بالكامل بنسبة 15% تقريباً ليصل إلى 25.7 مليار دولار. كما يبدو أن التهديد بفرض تعريفات جمركية أمريكية مرتفعة دفع المصدرين الكوريين المحملين بالسيولة لتوسيع عملياتهم الإنتاجية داخل السوق الأمريكية.

ولا تعكس هذه الموجة مجرد توسع استثماري، بل تحولاً في طريقة توظيف الأرباح التي ولدها الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من الاكتفاء بتعزيز الميزانيات أو توزيع الأرباح، توجه الشركات الكورية فوائضها المالية إلى شراء التكنولوجيا وبناء موطئ قدم داخل السوق الأمريكية.

وكانت شركتا «سامسونج» و«إس كيه هاينكس»، وهما من أكبر الرابحين من بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، الأكثر شراسة في إبرام الاستحواذات.

وقد شهدت الشركتان تضاعف قيمتهما السوقية بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العام الماضي، ويتوقع أن تسجلا أرباحاً تشغيلية قياسية مجمعة تصل إلى نحو 600 تريليون وون (400 مليار دولار) هذا العام.

واستغلت الشركتان هذه القوة المالية لإجراء استثمارات استراتيجية في شركات أمريكية عبر مختلف مراحل سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي. ففي الشهر الماضي، شاركت «سامسونج» في جولة تمويلية بقيمة 100 مليون دولار لشركة «زوتا كور» المختصة في تبريد مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، كما ساهمت العام الماضي في تمويل بقيمة 750 مليون دولار لشركة تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي «جروك».

وخارج الحدود الأمريكية، تجري «سامسونج» محادثات للاستثمار في الشركة الناشئة الفرنسية «ميسترال»، وفق ما أفادت تقارير صحفية هذا الأسبوع.

أما «إس كيه هاينكس» فقد أعلنت في يناير أنها ستضخ 10 مليارات دولار في شركات ذات أفكار مبتكرة داخل الولايات المتحدة لبناء شراكات معها.

ودعمت الشركة العام الماضي شركة «أفيسينا» الناشئة في جولة تمويلية بلغت 120 مليون دولار، في رهان على تقنيات الربط الضوئي المخصصة لرفع كفاءة استهلاك الطاقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

وتكشف هذه الصفقات أن المنافسة لم تعد تقتصر على إنتاج الرقائق، بل امتدت إلى امتلاك التقنيات والشركات التي ستحدد مسار صناعة الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة.

ويرى سوشيل باثيجا، رئيس قسم الاندماج والاستحواذ لمنطقة آسيا باستثناء اليابان في «جولدمان ساكس» أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل صفقات الاندماج والاستحواذ عالمياً بشكل جذري.

والولايات المتحدة هي بؤرة هذا الابتكار، بينما تقف كوريا الجنوبية في قلب هذه الحركة من المنظور الآسيوي؛ إذ تمتلك رأس المال وتتمتع بنفاذ مباشر إلى الشركات المناسبة عبر تلك السلسلة.

ولم تقتصر الاستحواذات الكورية الأخيرة على هذا الحد. إذ وافقت «سامسونج» العام الماضي على شراء منصة الرعاية الصحية «زيلث»، بينما استحوذت «دووسان للروبوتات» في عام 2025 على حصة بنسبة 89.6% في شركة «أونكسيا» للأتمتة ومقرها بنسلفانيا. ويؤكد المصرفيون أن الشركات الكورية تنعم حالياً بحد أدنى من المنافسة مقارنة بما كان عليه الوضع سابقاً.

وحتى سنوات قليلة مضت، كانت الشركات الصينية المليئة بالسيولة تشتري الأصول الغربية بنشاط، وغالباً بأرقام مالية كبيرة.

لكنها اليوم أصبحت مستبعدة تماماً من شراء الأصول الرئيسية في أمريكا بسبب توتر العلاقات بين البلدين، بحسب تايوون تشانج، الرئيس المشارك لقسم الاندماج والاستحواذ لشمال آسيا في «جي بي مورجان»، الذي تابع أن «الشركات الكورية تعيش العصر الذهبي للصفقات في أمريكا.

فالقوة التدفقية النقدية، والحاجة إلى إعادة توطين سلاسل التوريد، ورغبتها في ضمان النفاذ إلى الأسواق، كلها عوامل تحفزها على إبرام صفقات أضخم وأكثر تحولاً».

وحتى قبل هذا العام، كانت كوريا الجنوبية تصنف ضمن أكبر المستثمرين في أمريكا؛ إذ تبني «سامسونج» مصنعاً ﻷشباه الموصلات الدقيقة بقيمة 40 مليار دولار في تكساس، بينما تستثمر «إس كيه هاينكس» نحو 4 مليارات دولار في منشآت متطورة للرقائق في إنديانا.

وتتجاوز هذه التوسعات قطاع أشباه الموصلات؛ ويقول المصرفيون إن شركات بناء السفن، والروبوتات، والتقنية الحيوية، وغيرها من قطاعات التصنيع المتقدم، أصبحت تبحث عن قدرات محلية داخل أمريكا للتحوط ضد المخاطر الجيوسياسية.

فقد ساهم استحواذ «هيونداي موتور» على «بوستون ديناميكس» في تحويل صانعة السيارات إلى منافس رئيسي في عالم الروبوتات. كما اشترت مجموعة «هانوا» حوض «فيلي» لبناء السفن في عام 2024 بالتزامن مع مساعي واشنطن لإحياء هذه الصناعة، بينما أتمت «إس كيه هاينكس» العام الماضي صفقة شراء قطاع ذاكرة الناند التابع لشركة «إنتل» بقيمة ناهزت 9 مليارات دولار.

ويتوقع المصرفيون نشاطاً أكبر للصفقات في النصف الثاني من العام مع استمرار نمو أرباح الشركات الكورية بسبب الذكاء الاصطناعي. كما وافقت سيؤول على استثمار 350 مليار دولار مقابل تخفيض الرسوم الجمركية على صادراتها بموجب خطة «يوم التحرير» التي يتبناها ترامب.

ويرى ديفيد سيم، الشريك في قسم الاندماج والاستحواذ بشركة «ساميل بي دبليو سي»، أن العديد من الشركات لم يعد أمامها خيار سوى التوسع خارجياً في ظل تباطؤ النمو المحلي، بل إن معظم مجموعات الشركات الـ30 الكبرى، إن لم يكن جميعها، تدرس حالياً خيارات للسيطرة على أهداف استثمارية واعدة في شمال أمريكا.

الشركات الصينية كانت لاعباً في السوق الأمريكي يشتري بسخاء ويتوسع بثقة، لكن غيابها القسري نتيجة سياسيات الإدارة الأمريكية، أوجد فراغاً. وﻷن القوة تكره الفراغ، سعت الشركات الكورية الجنوبية، بقوتها المالية، إلى الاستحواذ على تلك المساحة، لتحصين سلاسل التوريد، وتقليل المخاطر الجيوسياسية، ولضمان البقاء داخل المنظومة الصناعية الأمريكية مهما تغيرت السياسات التجارية.

و «شهية سيؤول» اليوم قد تكون الفصل الأول من إعادة ترتيب أوسع لرأس المال العالمي، حيث يصبح الانتماء الجيوسياسي، لا حجم الأصول وحده، هو الذي يقرر من يشتري ماذا.