دانييل ديفيز
عندما أدركت شركة «آي بي إم» أخيراً أن الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل إنفاق الشركات على تكنولوجيا المعلومات بطريقة لا تخدم أعمالها في مجال الحواسيب المركزية، اتخذت خطوة استباقية.
وبدلاً من انتظار إعلان نتائج الربع السنوي التالي، سارعت الشركة إلى تقديم إفصاح عاجل عبر نموذج (8-K) إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، حذرت فيه المستثمرين من تراجع أرباحها. ولم يكن الخبر ساراً للمساهمين، إذ هبط السهم بنحو 25% فور الإعلان.
لكنه كان أفضل بكثير من ترك السوق تتداول بناءً على تقييمات مضللة، بينما يواصل المستثمرون شراء السهم أو الاحتفاظ به وهم يجهلون التدهور الذي طرأ على أوضاع الشركة.
رغم ذلك، كان لدى «آي بي إم» سبب قوي لتأجيل الإعلان، إذ لم يكن يفصلها عن إعلان نتائج الربع الثاني سوى ثمانية أيام. ففي المعتاد، تفضل الشركات الأمريكية الإفصاح عن أي تغيرات جوهرية في أوضاعها المالية ضمن تقرير الأرباح الفصلي، بينما تظل التحذيرات أو الإفصاحات الاستثنائية بين تقريرين متتاليين أمراً نادراً.
ولا شك في أن بقاء السوق أسبوعاً أو أسبوعين تحت تأثير معلومات غير مكتملة أقل ضرراً من استمرار هذا الوضع لأشهر عدة. لكن إذا قررت الولايات المتحدة التحول إلى نظام التقارير النصف سنوية،.
كما اقترحت هيئة الأوراق المالية والبورصات، فسيصبح من الضروري في المقابل ترسيخ ثقافة تقوم على الإفصاح الفوري عن أي تطورات جوهرية، بدلاً من انتظار موعد التقرير الدوري. ورغم أن هذا المقترح أثار موجة واسعة من الانتقادات، فإنه قد يكون مفيداً إذا نفذ بالشكل الصحيح.
لكن نجاح هذا التحول مشروط بوجود التزام واضح بالإفصاح المستمر، وهو النهج المتبع في البورصات البريطانية والأوروبية. فكلما اتسعت الفجوة بين ما يعتقده المستثمرون عن أداء الشركة وما تعرفه الإدارة فعلياً، يجب على الشركة سد هذه الفجوة بإعلان رسمي. وعملياً، إذا أصبحت تقديرات المحللين لأرباح الشركة أعلى أو أقل من النتائج المتوقعة بأكثر من 10%، يصبح إصدار بيان توضيحي أمراً واجباً.
أما في الولايات المتحدة، فالوضع مختلف. صحيح أن هيئة الأوراق المالية والبورصات تضع قواعد الإفصاح، لكن القرار داخل الشركات تحكمه في أحيان كثيرة اعتبارات قانونية أكثر من أنه التزام بإطلاع السوق على المستجدات. والسؤال الذي يوجه قرارات الإدارات غالباً هو: هل قد يؤدي عدم الإفصاح الآن إلى دعاوى قضائية من المساهمين لاحقاً؟
ولهذا تلتزم الشركات بتقديم نموذج (8-K) عند وقوع أحداث جوهرية محددة، مثل الاندماجات والاستحواذات أو الفوز بعقود كبيرة، لكن لا يوجد التزام صريح بإبلاغ السوق بمجرد تغير الظروف الاقتصادية أو التجارية التي قد تؤثر في النتائج المستقبلية. فالافتراض السائد هو أن المستثمرين سيعرفون الحقيقة خلال أقل من 90 يوماً عند صدور التقرير التالي.
ويبرز استثناء مهم لهذه القاعدة عندما تكون الإدارة قد أصدرت سابقاً توقعات للأرباح، ثم تظهر تطورات تجعل تلك التوقعات غير قابلة للتحقق. ففي هذه الحالة يصبح استمرار الصمت محفوفاً بالمخاطر القانونية، ما يدفع الشركة إلى تحديث السوق وتصحيح توقعاتها لتجنب التعرض للملاحقة القضائية.
لكن هذا الأسلوب يظل معيباً. فمن غير المنطقي أن تحدد الشركات توقيت الإفصاح بناءً على مدى الحرج مقارنة بتصريحاتها السابقة، لا على أهمية المعلومات الجديدة نفسها. والأسوأ من ذلك أنه يشجع الإدارات على الامتناع عن إصدار أي توقعات مفيدة من الأساس.
وهذا ما حدث بالفعل، إذ تراجعت بصورة حادة نسبة الشركات الأمريكية التي تقدم إرشادات واضحة بشأن أرباحها، وفق دراسة أجرتها مؤسسة «واكتيل وليبتون وروسين وكاتز».
فمنذ جائحة كورونا، لم يعد إلى إصدار هذه التوقعات سوى ربع الشركات فقط، بينما لا تقدم أكثر من نصف شركات مؤشر «إس أند بي 500» أي توقعات، حتى على أساس سنوي.
وفي الواقع، يبالغ كثيرون في تقدير تأثير التقارير الربع سنوية، سواء من حيث فوائدها أم أضرارها. فقد فرضت المملكة المتحدة هذا النظام عام 2007، ثم ألغت إلزاميته عام 2014، ولم يجد الباحثون بعد ذلك أي تغير يذكر في نزعة الشركات إلى التركيز على الأرباح قصيرة الأجل، كما لم يرصدوا أثراً ملموساً على كفاءة الأسواق أو دقة تقييماتها.
لكن السيناريو الأسوأ سيكون أن تنتقل الولايات المتحدة إلى التقارير نصف السنوية، مع الإبقاء على قواعد الإفصاح الحالية كما هي. فإذا ظل التواصل بين الشركات والمستثمرين تحكمه حسابات قانونية تتعلق بما قد يبدو جيداً أو سيئاً أمام المحاكم، بدلاً من أهمية المعلومات للمستثمرين، فلن تحقق عملية الإفصاح الغاية المرجوة منها.
فالشركات تحتاج إلى حوار مستمر مع المستثمرين، لا يقتصر على موعد إصدار القوائم المالية. وينبغي أن تساعد هذه القوائم على فهم نشاط الشركة وأدائها، لا أن تصبح بديلاً عن هذا الفهم.
وربما تكون أقوى حجة ضد التقارير الربع سنوية أنها تستهلك وقت الإدارات، وفي المقابل تغرق المستثمرين والمحللين بسيل من البيانات التي لا تضيف قيمة حقيقية، فتشتت انتباههم عن القضايا الأكثر أهمية.
والنظام الأفضل هو ذلك الذي تسير فيه غالبية الشركات على نهج «آي بي إم»: الإفصاح عن الأخبار الجوهرية فور حدوثها، عندما تكون ذات أهمية حقيقية للمستثمرين، بدلاً من ربطها بجدول زمني جامد تفرضه مواعيد التقارير الدورية.