جيليان تيت
ينشغل الساسة في واشنطن هذا الشهر، مرة أخرى، بقضية الاختلالات العالمية.
غير أن هناك جانباً آخر من هذه الاختلالات نادراً ما يحظى بالنقاش، وهو الحجم الذي بلغه القطاع المالي العالمي مقارنة بالاقتصاد «الحقيقي».
وقد استهواني هذا الموضوع منذ 2007، عندما أجريت مقابلة مع أحد الباحثين في التمويل الإسلامي، الذي شبّه الأسواق المالية الحديثة بآلة صنع غزل البنات.
وكان تفسيره أن الأصول الحقيقية، مثل المنازل، تستخدم كضمان للديون، ثم يعاد رهن تلك الديون مرات متتالية، جزئياً عبر المشتقات المالية، تماماً كما يغزل السكر ويعاد غزله ليصبح غزل البنات.
فقد نشر معهد ماكينزي العالمي أخيراً دراسة لافتة تتضمن تقديراً للميزانية العمومية العالمية، تشمل الأصول والالتزامات والثروة في مختلف أنحاء العالم.
وتتميز هذه السلسلة، التي بدأ إصدارها عام 2021، بأنها تقيس الأصول العامة والخاصة معاً، وهو أمر نادر.
ويضم هذا الرقم الاسمي أصولاً حقيقية بقيمة 620 تريليون دولار، تشمل العقارات والبنية التحتية والآلات والمعدات والملكية الفكرية، إلى جانب أصول مالية بقيمة 550 تريليون دولار، تشمل الأسهم والقروض والسندات والعملات، في مقابل ثروة عالمية تبلغ نحو 600 تريليون دولار، تمتلك الأسر النصيب الأكبر منها.
وتستحوذ الولايات المتحدة على 175 تريليون دولار من هذه الثروة، بينما تبلغ حصة الصين 75 تريليون دولار.
وإذا كانت الطفرة قبل عقدين قد جاءت أساساً نتيجة ارتفاع أسعار العقارات، فإن الزيادة في العام الماضي كانت مدفوعة بارتفاع أسعار الأسهم، خصوصاً في الولايات المتحدة، التي شكلت 57 % من نمو الثروة.
أما الأصول الحقيقية فلم تسهم سوى بنسبة متواضعة بلغت 20 %، وهي أقل بكثير من مستوياتها السابقة.
في الوقت نفسه، بلغت قيمة الأصول في الولايات المتحدة 3.7 أضعاف الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف متوسطها التاريخي تقريباً.
لكن في المقابل، ارتفعت الديون الحكومية بصورة حادة في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، كما شهدت ديون الشركات الصينية قفزة كبيرة.
وفي الوقت نفسه، تضاعفت قيمة «الأصول الإنتاجية» في الصين مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي منذ 2000، بينما بقيت هذه النسبة شبه ثابتة في الولايات المتحدة، حيث أصبحت اليوم أدنى مما كانت عليه في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وهي مفارقة مؤلمة.
وقد يستخف كثير من الأمريكيين بهذه المقارنات، أو يشيرون إلى أن بعض الأصول الإنتاجية في الصين قد لا تكون منتجة بالقدر المأمول بسبب الإفراط في الاستثمار، بينما قد تكون بعض الأصول الأمريكية غير محسوبة بالكامل، نظراً لصعوبة قياس الاستثمارات الرقمية.
ويرى، أو يأمل، بعض المسؤولين السابقين، أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث طفرة كبيرة في الإنتاجية، بما يسمح للاقتصاد الأمريكي بالنمو بوتيرة تتجاوز الزيادة المستمرة في الدين السيادي، ويبرر في الوقت نفسه التقييمات المرتفعة لأسواق الأسهم.
وانطلاقاً من هذا المنطق، قد ينظر إلى تضخم حجم أسواق رأس المال الأمريكية بوصفه دليلاً على قوة الاقتصاد وتطوره.
وقد يحدث مثل هذا التصحيح نتيجة المنافسة المتزايدة من نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر.
وكثير من الديانات تنظر بعين الريبة إلى هذا التحول، وهو ما يفسر تعليق الباحث في التمويل الإسلامي الذي حدثني عام 2007.
وأعتقد أن كثيراً من الناخبين يشاركون هذا الشعور أيضاً، لأن الثقافة الشعبية في الغرب لا تزال تنظر إلى التمويل باعتباره وسيلة لتحفيز النمو، لا غاية قائمة بذاتها.
