أمريكا تحتاج إلى مشروع مانهاتن جديد لطاقة الاندماج النووي

كارلوس باز - سولدان.. مدير مركز كولومبيا لأبحاث الاندماج وأستاذ مشارك للفيزياء التطبيقية في جامعة كولومبيا

تخيل مصدراً للطاقة يمكنه توليد الكهرباء في أي مكان بأمان، ولا يصدر منه أي غازات دفيئة، ولا يعتمد على تقلبات الطقس غير المتوقعة.

وقوده الأساسي سهل الحصول عليه ولا يرتبط بالنزاعات الجيوسياسية، ما يساعدنا على تجنّب صدمات الطاقة مثل تلك التي نمر بها حالياً.

ويمكن لرطل واحد من هذا الوقود أن ينتج طاقة تعادل ما ينتجه عشرة ملايين رطل من الفحم أو ستة ملايين رطل من الغاز الطبيعي.

تمتلك طاقة الاندماج النووي، التي تولد الطاقة عن طريق دمج ذرات الهيدروجين، محاكاة التفاعل الذي يزوّد الشمس بالطاقة، هذا هو الوعد الواعد. لم نصل إلى هناك بعد، ولكن طاقة الاندماج تمتلك المقومات لتكون أكثر الاختراقات التكنولوجية أهمية منذ أن قمنا بشطر الذرة.

لقد أعادت الأسلحة النواة تشكيل النظام العالمي وأعادت تعريف النزاعات العسكرية، والدولة التي ستحقق طاقة الاندماج أولا ستكسب مجموعة واسعة من المزايا الاستراتيجية.

وخلافاً للاعتقاد الشائع، فإن العلماء في الولايات المتحدة والصين وأوروبا أصبحوا أقرب من أي وقت مضى من تحقيق ذلك. لقد تسارع التقدم بفضل التمويل الضخم من رأس المال الاستثماري، ولكن ما نحتاجه الآن أكثر هو أن تجاري الحكومة الأميركية القطاع الخاص عبر تمويل مزيد من الأبحاث للمساعدة في تمهيد الطريق نحو التسويق التجاري.

يثق العلماء في أننا وصلنا إلى مرحلة فهم العلوم الأساسية لكيفية تحقيق شروط الاندماج في المختبر، والمطلوب تالياً هو تجاوز العقبات الهندسية المتبقية. والحقيقة المجردة وراء عدم حل التحديات التقنية حتى الآن تعود إلى النمط المتردد للتمويل بين الانتعاش والركود.

طاقة الاندماج النووي تطفو على سطح الوعي العام في كل مرة نمر فيها بصدمة طاقة، لكنها تتضاءل بمجرد انحسار الأزمة.

وقد أدت صدمة الطاقة في سبعينيات القرن الماضي إلى ارتفاع كبير في التمويل، لكنه انهار بعد انخفاض أسعار النفط في أواخر الثمانينيات، ليشهد المجال بعدها عقوداً من الركود.

وتخصص الحكومة الأمريكية حالياً 800 مليون دولار فقط لأبحاث طاقة الاندماج، وهو ما يعادل نحو 3% فقط مما تخصص لوكالة ناسا. كما أن أحدث مبادرة لوزارة الطاقة، وهي المكتب الجديد للاندماج، بلغت ميزانيتها المطلوبة 10 ملايين دولار فقط هذا العام.

ورغم أن تمويل القطاع الخاص السنوي للاندماج يفوق حاليا التمويل الحكومي، إلا أن النهج المشتت ليس الطريقة المثلى لتطوير مصدر طاقة ثوري.

والتمويل الفيدرالي الأمريكي غير الكافي وغير المنسق قد يمنح الصين فرصة سانحة. ووفقاً لأحد التقديرات، حشدت الصين ما لا يقل عن 6.5 مليارات دولار لمشاريع الاندماج منذ بداية عام 2023، وهو ما يقرب من 3 أضعاف التمويل المخصص لبرنامج علوم طاقة الاندماج التابع لوزارة الطاقة الأمريكية خلال الفترة نفسها تقريبا.

كما تضع الصين الأساس لمشاريع بنية تحتية ضخمة للاندماج، وهو رهان طويل الأجل للسيطرة على أدوات هذه الصناعة حتى لو تم اكتشاف العلوم الأساسية في مكان آخر. ولا يمكن التغاضي عن التشابه مع هيمنة الصين على الطاقة الشمسية، التي اخترعت تقنيتها الأساسية في مختبرات بيل في نيو جيرسي.

كما يعيق غياب التمويل الفيدرالي المنسق في الولايات المتحدة تطوير عنصر حيوي آخر في هذا السباق العالمي، وهو القوى العاملة الماهرة؛ حيث تشير التقارير إلى أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة بمقدار عشرة أضعاف في عدد طلاب الدكتوراه العاملين في مجال الاندماج.

وفي بداية الحرب العالمية الثانية، تم وضع البذور العلمية للطاقة النواة بنجاح لأول مرة في تجربة أجريت على بعد نحو 500 قدم من المكان الذي أكتب فيه كلمات هذا المقال.

ففي قاعة بوبين بجامعة كولومبيا، استخدم الفيزيائيان جون دانيغ وإينريكو فيرمي معجل جسيمات صمم خصيصا للمساعدة في تحديد الشكل الانشطاري لليورانيوم. ومهدت هذه التجربة، إلى جانب العديد من التجارب الأخرى، الطريق لمشروع مانهاتن عام 1942.

الولايات المتحدة تحتاج الآن إلى ما لا يقل عن مشروع مانهاتن آخر، مدعوم بتمويل فيدرالي طموح، لحل التحديات التقنية المتبقية التي تقف في طريق طاقة الاندماج.

ويظهر التاريخ أن أزمات الطاقة يمكن أن تحفز العمل، وهذه المرة، يجب أن نتحرك قبل أن يتلاشى الشعور بالضرورة الملحة.