ستيفن روش.. عضو في هيئة التدريس بجامعة ييل
إلى متى يمكنه اﻻستمرار هكذا؟ هذا هو السؤال الأبرز دائماً حول الاقتصاد الصيني. فقد استمر مسار نمو الصين الحديثة لفترة أطول بكثير مما تخيله أكثر المتفائلين في تحد للتاريخ والمنطق.
ولكن كما تتعلم سريعاً في وول ستريت، فإن الماضي غالباً ما يحمل وعوداً قابلة للنقض. وقد يكون هذا هو الحال أخيراً بالنسبة للصين وهي تواجه اختلالاتها الاقتصادية غير المستدامة.
وتشير أحدث الإحصاءات إلى خطورة هذه المشكلة. فلم يعد الأمر يقتصر على انخفاض النمو الاقتصادي الإجمالي إلى 4.3% في الربع الثاني من عام 2026. وهو أقل من الحد الأدنى للهدف المتواضع لهذا العام الذي تراوح بين 4.5 و5%، والذي تم تحديده قبل بضعة أشهر فقط، بل قد ظهرت أيضاً فجوة غير مفهومة في الهيكل الاقتصادي العملاق للصين.
في منتصف العام الجاري، كانت الصادرات هي المحرك القوي الوحيد للطلب في الاقتصاد الصيني، التي ارتفعت بنسبة 27% على أساس سنوي في شهر يونيو.
في المقابل، وخلال الفترة نفسها، تعرض النمو الاقتصادي الإجمالي لانتكاسة بسبب الارتفاعات الهزيلة في مبيعات التجزئة المدفوعة بالاستهلاك المحلي، والتي صعدت بنسبة واحد في المئة فقط في يونيو، إلى جانب تراجع الاستثمار الثابت بنسبة 5.7% في النصف الأول.
ورغم أن هذا الضعف على الجبهة المحلية تم تعويضه جزئياً من خلال مرونة الطلب الخارجي، وهو ما انعكس في زيادة متواضعة بنسبة 5.3% على أساس سنوي في الإنتاج الصناعي، إلا أن التباين بين الاقتصاد الاستهلاك الداخلي المحتضر والاقتصاد الإنتاجي المرن لا يمكن أن يكون أكثر حدة مما هو عليه الآن.
الاختلالات لا تدوم إلى الأبد. وقد أثار التحذير الشهير الذي أطلقه رئيس الوزراء السابق وين جيا باو عام 2007 بشأن عدم استقرار الاقتصاد الصيني وافتقاره للتوازن نقاشاً حاداً، ما أدى لإطلاق مبادرات سياسية محلية كبرى وعديدة، مثل حملة الرخاء المشترك لمعالجة التوزيع غير العادل للدخل والثروة، والإصلاحات الهيكلية لجانب العرض لتجنب الركود الإنتاجي على النمط الياباني، وحملة خفض اﻻستدانة للتعامل مع الأزمة الكبيرة في قطاع العقارات.
ورغم أن الحكم النهائي على فاعلية هذه السياسات لم يحسم بعد، إلا أن بكين تستحق التقدير على الأقل لمجرد المحاولة.
ومنذ أيام وين جياو باو، وأنا أتحسر على ضعف الاستهلاك المحلي الصيني الذي يقل عن المستوى المطلوب. وعلى مر السنين، لم تقدم القيادة الصينية سوى وعود شفهية تجاه هذه القضية.
ولا تزال متابعة سياسات الاستهلاك الداخلي محبطة، خصوصاً مع الغياب التام لإصلاحات شبكات الأمان الاجتماعي في قطاعي الرعاية الصحية والتقاعد. وهي الإصلاحات التي من شأنها أن تقلل المبالغة في الادخار الاحترازي وتنعش الطلب الاستهلاكي الاختياري.
ويحاول البعض في الصين تبرير انخفاض حصة الاستهلاك من الناتج المحلي الإجمالي باعتباره نتيجة حتمية لعدم التوافق الحسابي الناجم عن نموذج التنمية المتسارع، والذي يحظى بدعم غير متناسب من الاستثمارات والصادرات المتزايدة.
كما تم تقديم حجج أخرى ترى ضرورة إعادة تعريف الاستثمار ليشمل رأس المال المستثمر في التنمية البشرية والاجتماعية. وخلصت هذه الحجج إلى أن النمو الصيني المدفوع بالاستثمار، وهو جوهر النموذج الإنتاجي، باق بشكل أو بآخر.
ويتوافق هذا تماماً مع رؤية الرئيس شي جين بينغ، الذي يدعم استراتيجية تهدف لتحسين مستويات المعيشة والقدرة التنافسية للصين من خلال التركيز على قوى إنتاجية ذات الجودة العالية مثل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية وغيرها من مجالات التصنيع المتقدم.
ولكن مع ضعف الطلب المحلي وازدياد ضعفه، يصبح النموذج الإنتاجي وصفة لوفرة في العرض ستغرق الأسواق الخارجية. وبناءً على ذلك، ستواجه الصين ضغوطاً خارجية قوية ورد فعل غاضب بسبب دعمها الراسخ للاقتصاد الإنتاجي. وهذا يزيد احتمالية اتخاذ إجراءات حمائية ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أوروبا والجنوب العالمي أيضاً.
ولهم في ذلك كل الحق، فالصين تستحوذ بالفعل على نحو 30% من القيمة المضافة في التصنيع العالمي، وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن هذه الحصة قد ترتفع نحو 45% بحلول عام 2030، وهو ما يضاهي الحصة الذروة للتصنيع العالمي التي حققتها الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
ولكن هناك فارقاً كبيراً بين صين اليوم والقوى الصناعية السابقة، حيث كانت تلك الاقتصادات في الماضي تحظى بدعم قوي ومستقر من المستهلكين المحليين.
إن اعتماد الصين الراسخ على النموذج الإنتاجي ليس مجرد اختبار لطبيعة اقتصادها فحسب، بل هو اختبار لمستقبل الاقتصاد العالمي بأكمله.
ولقد أدت الاختلالات المتزايدة باستمرار إلى إركاع الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي خلال الأزمة المالية العالمية عامي 2008 و2009، وقد تفعل الشيء نفسه بالصين. فإلى متى يمكن لشيء كهذا أن يستمر؟ لن يستمر طويلاً بعد الآن.