كيف تدفع شركات التكنولوجيا مصاهر المعادن إلى حافة الهاوية؟

كاميلا هودجسون ــ جيمي سميث
يؤكد مسؤولون تنفيذيون أن ارتفاع تكاليف الكهرباء وتصاعد المنافسة مع شركات التكنولوجيا الكبرى على مصادر الطاقة يعيقان جهود صناع السياسات في الولايات المتحدة وأوروبا لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية المرتبطة بصهر المعادن ومعالجتها.

وتقدم واشنطن وبروكسل مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب لتمويل مشاريع تهدف إلى صهر ومعالجة وتعدين معادن مثل النحاس والألومنيوم، في مسعى لكسر هيمنة الصين المحكمة على هذه الصناعة الحيوية.

كما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية عقابية على الواردات بغرض حماية الصناعة المحلية، غير أن مسؤولين تنفيذيين بارزين صرّحوا لصحيفة فاينانشال تايمز بأن ثمة حاجة إلى مزيد من الدعم لجعل عمليات الصهر والمعالجة في الدول الغربية مجدية اقتصادياً، في ظل مساهمة شركات وادي السيليكون في رفع تكلفة الطاقة داخل الولايات المتحدة.

وقال تروند أولاف كريستوفرسن، المدير المالي لشركة «نورسك هيدرو» النرويجية الرائدة في إنتاج الألومنيوم: «العامل الأهم في تحديد موقع إنشاء مصنع صهر هو الحصول على أسعار طاقة تنافسية على المدى الطويل»، موضحاً أن الكهرباء تمثّل نحو ثلث تكلفة مصهر الألومنيوم.

وأضاف أن المصاهر في الولايات المتحدة تتنافس على عقود الكهرباء مع شركات التكنولوجيا التي تبدي استعداداً لدفع مبالغ أكبر بكثير لتطوير مراكز البيانات التي تُعد العمود الفقري لثورة الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن لدى شركات التكنولوجيا قدرة مالية أعلى بكثير على دفع تكلفة الكهرباء مقارنة بصناعات مثل الألومنيوم».

ووصف أحد كبار العاملين في قطاع التعدين هذه الديناميكية بالقول: «الأمر لم يعد صراعاً بين شركة (ألكوا) الأمريكية والصين، بل بين ألكوا وغوغل».

وتعد عملية الصهر من المراحل الأساسية والمستهلكة للطاقة في إنتاج المعادن الحيوية التي تدخل في قطاعات متعددة مثل الطاقة والدفاع والتكنولوجيا.

وتُهيمن الصين على هذا القطاع، في حين تكافح شركات الصهر في أوروبا والولايات المتحدة للبقاء في مواجهة عشرات المصانع الجديدة المدعومة من الدولة في الصين.

وتسيطر الصين حالياً على أكثر من نصف القدرة الإنتاجية العالمية لصهر الألومنيوم.

بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، كما تتصدر أيضاً عمليات معالجة معادن حيوية أخرى، بما فيها العناصر الأرضية النادرة والليثيوم، وهو اتجاه يثير قلق صناع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا.

ووفقاً لجمعية الألومنيوم الأمريكية، فإن مصانع الصهر تحتاج إلى عقود طويلة الأجل لتأمين الكهرباء بسعر يبلغ نحو 40 دولاراً لكل ميغاواط/ساعة، في حين وقّعت شركات التكنولوجيا الكبرى اتفاقات بأسعار تتجاوز 100 دولار لكل ميغاواط/ساعة.

وقالت شركة الاستشارات «وود ماكنزي» إن «العملاء ذوي الأحمال الكبيرة لا يزالون على استعداد لدفع أسعار إضافية لتأمين إمدادات الكهرباء»، مضيفةً أن أسعار الطاقة في الولايات المتحدة «ستواصل الارتفاع تدريجياً بالقيمة الحقيقية».

وأوضح أليكس كريستوفر، كبير محللي الألومنيوم في مجموعة التحليل السوقي (سي آر يو) أن التوسّع في إنشاء مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة «سيؤدي فقط إلى زيادة المنافسة على سعة النقل المحدودة، مما سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار».

وتقدّر جمعية الألومنيوم أن مصنعاً جديداً واحداً لصهر الألومنيوم قد يستهلك سنوياً كمية من الكهرباء تعادل ما تستهلكه مدن كبرى مثل بوسطن أو ناشفيل.

ورغم أن أسعار الكهرباء في الولايات المتحدة أقل من نظيرتها في أوروبا، التي لا تزال مرتفعة بفعل أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب في أوكرانيا، فإن متوسط الأسعار في العام الماضي كان يقارب ضعف الأسعار في كندا، وأعلى بكثير من الأسعار في النرويج، بحسب بيانات لشركة «هايدرو».

وقال جيدو يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «نيرستار» العاملة في إنتاج الزنك والرصاص، إن العديد من مصانع الصهر في الدول الغربية تعمل بهوامش ربح ضئيلة للغاية.

وأضاف: «ما نحتاج إليه هو أسعار كهرباء تنافسية، فهذا هو العامل الحاسم»، مشيراً إلى أن الأسعار في أوروبا مرتفعة بشكل خاص.

وأوضح يانسن أن إنشاء مصانع صهر جديدة في الولايات المتحدة أو غيرها سيحتاج إلى دعم حكومي، مثل المنح المالية وآليات تقليل المخاطر، كضمان حد أدنى للسعر ومشتر مضمون.

وتخطط «نيرستار» لتوسيع منشآتها في الولايات المتحدة لتشمل إنتاج معدني الجرمانيوم والغاليوم، اللذين يُعدّان أساسيين لقطاعي الدفاع والتكنولوجيا.

لكن يانسن أشار إلى أن تحقيق الربحية يتطلب تمويلاً حكومياً، مضيفاً أن الشركة تجري حالياً محادثات للحصول على دعم مالي.

ولفت إلى أن مصنع صهر الرصاص التابع للشركة في أستراليا يُسجّل خسائر تشغيلية، مشيراً إلى أن «هذا الوضع لن يتغير» من دون دعم حكومي.

وتجري السلطات الأمريكية محادثات مع شركتين، هما «سينتشري ألومنيوم» التي تتخذ من شيكاغو مقراً لها، و«الإمارات العالمية للألمنيوم» بشأن تقديم حوافز لبناء أول مصنع لصهر الألومنيوم في الولايات المتحدة منذ عام 1980.