برينها نارانغ
الكاتبة عالمة في العلوم الكمومية وأستاذة بجامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس
ولدت ثلاثة من اﻻختراقات العلمية للحوسبة الكمومية داخل المختبرات الأمريكية، فـ«الترانزيستور»، و«الكيوبت» الفائق التوصيل المسمى «ترانسمون»، و«خوارزمية شور»، التي تحلل الأعداد الضخمة في وقت قياسي، كانت جميعها نتاج البحوث الأمريكية.
إلا أن تحقيق الطفرات البحثية شيء، وبناء القدرة الصناعية شيء آخر. فإذا لم تمنح أمريكا الأولوية لخلق سوق تجاري، وتأمين سلاسل التوريد، فسيكون مصيرها فتح الباب لغيرها لتطوير التقنية التي اكتشفتها، ثم الاضطرار لاحقاً لاستئجار ترخيص استخدام ابتكارها نفسه، ما يشكل مخاطر كبيرة على مصالح الأمن القومي الأمريكي.
وقد حدث هذا من قبل، فبعد أن اخترعت أمريكا الترانزيستور، راقبت انتقال تصنيع أشباه الموصلات إلى آسيا، لتتنازل بذلك عن أهم سلسلة توريد استراتيجية على وجه الأرض. واليوم، تواجه التكنولوجيا الكمومية تكرار المخاطر نفسها.
ولهذا السبب، احتفل الذين قضوا سنوات في تقديم الحجج على أن واشنطن تبخس القيمة الحقيقية للتكنولوجيا الكمومية، بصدور أمرين تنفيذيين، وقعهما الرئيس دونالد ترامب في وقت سابق من العام الجاري.
يعترف الأمر الأول بالتقنيات الكمومية باعتبارها «قدرة تحويلية» ستشكل «محرك الابتكار الأمريكي». أما الثاني، فيقر بضرورة تعزيز الأنظمة الأمنية المحمية بالتشفير ضد التهديدات الخارجية.
وهذا يحمل رسالة لا يمكن للقطاع الخاص تجاهلها، إذ يسعى خصوم الولايات المتحدة منذ فترة إلى جمع وتخزين البيانات المشفرة على أمل فك تشفيرها بمجرد الوصول إلى حاسوب كمومي بحجم كف.
ويجب أن يكون أثر القرارين هو انطلاق جهد وطني لبناء حاسوب كمومي قادر على تحفيز الاكتشافات العلمية في علوم المواد، واكتشاف الأدوية، والمالية، واللوجستيات وغيرها.
فالحواسيب الكمومية الموجودة اليوم لا تزال صغيرة جداً وعرضة للأخطاء بدرجة تمنع الوفاء بوعود الحوسبة الكمومية في حل المشكلات التي تعجز عنها أقوى الحواسيب الفائقة.
ورغم اختلاف التصاميم الهندسية، سواء اعتمدت على الأيونات، أم الذرات، أم الفوتونات، أم الدوائر فائقة التوصيل، يظل الهدف واحداً، بناء حاسوب كمومي مقاوم للأخطاء، وقادر على العمل الميداني الفعلي وعلى نطاق تجاري.
وبالفعل حسم رأس المال خياره، ودخلت شركات كمومية عدة إلى الأسواق المالية بتقييمات كانت تبدو خيالية قبل سنوات. وإلى جانب الشركات العملاقة مثل «جوجل» و«مايكروسوفت» و«آي بي إم»، ظهرت شركات واعدة مثل «آيون كيو» و«كوانتينويم».
لكن ما يفتقده رأس المال حتى الآن هو «إشارة الطلب» من السوق. ووجود مشتر مضمون كالمختبرات الوطنية سيقدم للحوسبة الكمومية ما قدمته عقود الدفاع والفضاء المبكرة لصناعة السيليكون سابقاً.
وفي هذا السياق، وجه الأمر التنفيذي الأول من ترامب وزارة الطاقة للقيام بدور المشتري الأول للحواسيب الكمومية ذات الأهمية العلمية، كما وجه وزارة التجارة بدراسة التزامات الشراء المسبق كذلك.
وهذا التركيز على سلاسل التوريد المحلية يقر بقدرة الأموال العامة على تحفيز واستقطاب الاستثمارات الخاصة. وقد وقعت وزارة التجارة بالفعل خطابات نوايا لضخ ملياري دولار في 9 شركات كمومية مقابل حصص أقلية، ليتوسع هذا التوجه لاحقاً ليشمل نحو 15 شركة تعمل في أشباه الموصلات، والمعادن الحرجة، والدفاع.
إن الريادة الكمومية تعتمد على رأس مال صبور، وتصنيع قائم على الأراضي الوطنية، وقوة عاملة مدربة، وتوافق مع الحلفاء. فلا توجد دولة بمفردها تسيطر على «السلسلة التكنولوجية الكاملة» اللازمة لإنتاج التقنيات الكمومية على نطاق واسع، بما في ذلك أنظمة التبريد العميق، والمعادن النادرة التي تدخل في صناعة الكيوبتات، وقدرات تصنيع الرقائق.
وإنشاء نظام تجاري وتكنولوجي مع الحلفاء مدعوم بالرقائق الأمريكية، مثل مبادرة «السلام السيليكوني»، يوضح وجود رؤية للإنتاج المحلي مع استبعاد بكين من سلاسل التوريد الرئيسية. ولقد وجهت واشنطن رسالة تجسد التعاون والمصداقية، فإذا أمكن بناء الحواسيب الكمومية المقاومة للأخطاء وشراؤها وتصنيعها ضمن سلسلة توريد متحالفة، فستتمكن أمريكا من الاحتفاظ بصناعة كانت من ابتكارها.
