حظر الصين تصدير الهيليوم يهدد إمدادات أوروبا

كاميلا هودجسون
عندما نسمع كلمة «هيليوم»، يخيل لغالبية الناس ذلك الغاز الخفيف الذي نملأ به بالونات الحفلات لتطير في الهواء، أو تلك الخدعة الطريفة التي تغير نبرة الأصوات إلى درجات حادة ومضحكة. 

لكن في عالم الصناعة والتكنولوجيا والأطباء، ليس في الأمر أي مادة للضحك؛ فالهيليوم هو الغاز الساحر الذي من دون تبريده الخارق، تتوقف أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي في المستشفيات، وتتعطل مصانع الشرائح الدقيقة التي تشغل كل شيء حولنا، من هواتفنا الجوالة إلى المقاتلات الحربية.

واليوم، يواجه هذا الغاز الصامت أزمة غير مسبوقة تضع أوروبا، على وجه الخصوص، في موقف حرج للغاية، بعد ندرة المعروض نتيجة اندلاع توترات الشرق الأوسط. قبل هذه الأزمة، كانت قطر وحدها تؤمن ثلث احتياجات العالم من الهيليوم. وعندما تعطلت الإمدادات الخليجية يلجأ العقل الاقتصادي عادة إلى البديل، وهو روسيا، التي تمتلك نحو 10% من الإنتاج العالمي.

إلا أن العقوبات الأوروبية على روسيا عام 2024 كانت تحظر الاستيراد المباشر.

كيف حل الأوروبيون المشكلة؟ عبر «باب الصين الخلفي»! وبكين لا تنتج الهيليوم لنفسها وتصدره، بل كانت تلعب دور «الوسيط التجاري»، تشتري الغاز الروسي ثم تعيد تصديره إلى أوروبا التي كانت تعتمد على هذا الصمام لإنقاذ مصانعها ومستشفياتها.

وظل هذا التكتيك يعيد رسم خرائط التوريد، حتى قررت بكين أخيراً إغلاق هذا الصمام تماماً وحظر إعادة تصدير الغاز الأسبوع الماضي، نظراً لأنها تستورد غالبية الهيليوم الذي تستهلكه مصانعها ومستشفياتها.

وجاء القرار الصيني عقب هجوم أوكراني استهدف في يونيو مصنع «أورينبورج» لمعالجة الغاز والهيليوم غرب روسيا قرب الحدود مع كازاخستان.

ويؤكد كوون سيوك-جون، الأستاذ بجامعة «سونغكيونكوان» في سيؤول، أن «الصين ليست مصدراً للهيليوم بل هي مجرد معبر»، مشيراً إلى أن قرار الحظر «يغلق صمام إعادة التصدير الذي كانت أوروبا تعتمد عليه».

وأضاف أن الحظر يعد مؤشراً على استعداد الصين لمواجهة «موجة جديدة من ندرة المعروض».

وتضاعفت أسعار الغاز المخصص للتسليم الفوري منذ بدء الصراع في الشرق الأوسط، بالتوازي مع ارتفاع أسعار العقود طويلة الأجل، ويأتي ذلك في وقت أجبرت فيه مرافق الإنتاج الرئيسية، بما فيها مجمع رأس لفان التابع لشركة «قطر للطاقة» وهو أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم، على إيقاف عملياتها.

وحسب تقديرات شركة «أكاب إنرجي» للاستشارات فقد ارتفعت عمليات إعادة التصدير الصينية للغاز إلى أوروبا بشكل متواصل على مدار 18 شهراً الماضية، وظلت عند مستويات مرتفعة حتى بعد اندلاع الأزمة في الشرق الأوسط.

ورغم أن سوق الهيليوم يتسم بالغموض وضبابية البيانات، تقدر الشركة أن الصين واصلت إعادة تصدير نحو 16% من إجمالي وارداتها من الهيليوم في المتوسط، خلال الفترة بين مارس ومايو من هذا العام.

وكانت روسيا نفسها قد فرضت قيوداً على صادرات الهيليوم في أبريل الماضي، لكن دون أن تصل إلى حد الحظر الشامل.

وقال كليف كين، المدير التجاري لشركة «بولسار هيليوم» المدرجة في لندن، إن أزمة السوق تفاقمت خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث أثر نقص الإمدادات على قطاعات حيوية مثل الطيران وصناعات اللحام.

وأضاف أن الشركة تتلقى الكثير من الاستفسارات وتجري محادثات مع مشترين من القطاعين العام والخاص، بما في ذلك جهات في أمريكا واليابان. ورغم وجود قنوات بديلة لتأمين احتياجات قطاع التقنية بشكل مؤقت، غير أن استمرار هذه القيود لفترة أطول قد يلقي بظلاله على سلاسل توريد التكنولوجيا العالمية ككل.

وأكد أجيت مانوتشا، رئيس المنظمة الدولية لأشباه الموصلات، أن السوق شهد انكماشاً واضحاً، وأن شركات أشباه الموصلات تتعامل حالياً مع أسعار مرتفعة وحصص إمداد مضغوطة وعمليات توريد أكثر تعقيداً.

وقد تكون سلاسل توريد أشباه الموصلات أكثر قدرة على استيعاب زيادات الأسعار مقارنة بقطاعات أخرى. ويجري حالياً توجيه الكميات المتاحة حالياً للقطاعات الاستراتيجية، بما في ذلك بعض التكنولوجيات المتقدمة، والرعاية الصحية، والعقود الحكومية، في حين يرجح أن يتضرر قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية بشكل أكبر.

وفي المقابل، يبدو المستهلكون في الولايات المتحدة أكثر حماية من هذه الأزمة، بفضل إنتاج البلاد لكميات كبيرة من الهيليوم محلياً.

وتؤكد شركة «بريمير»، التي تتولى توريد الهيليوم للمستشفيات الأمريكية، أن الهيليوم الطبي لا يزال يحظى بالأولوية، ولم تسجل المؤسسات الطبية أي اضطرابات تؤثر على عمليات التصوير بالرنين المغناطيسي أو المنتجات الغازية المختلطة.

ولا تكمن أزمة الهيليوم في نقص المعروض فحسب، بل أيضاً في الرسالة التي تحملها. الاقتصاد العالمي الحديث يعتمد على منظومة معقدة من الموارد والمواد التي قد تبدو هامشية للوهلة الأولى، لكنها تتحول إلى عناصر حاسمة عند حدوث أي اضطراب يكشف هشاشة سلسلة التوريد العالمية.

وقد كشفت الأزمة الحالية أن التحدي الحقيقي يكمن في بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة وقدرة على الصمود في عالم تتزايد فيه الاضطرابات الجيوسياسية يوماً بعد يوم.