أرفيند سوبرامانيان
عندما تراجعت قيمة الروبية بشكل حاد عقب صدمة الطاقة التي أحدثتها حرب إيران، خلص صناع السياسات في الهند إلى أن الأسس الاقتصادية للبلاد متينة، وأن المشكلة مجرد عارض مؤقت يرتبط بالنقد الأجنبي، بالتالي فإن الاستجابة المثلى هي جذب التمويل الخارجي، وليس إجراء تغييرات هيكلية على صعيد السياسات.
بناءً على ذلك، أعلن بنك الاحتياطي الهندي في يونيو طرح آلية تضمن عوائد مجزية بالدولار للمستثمرين الأجانب، وبشكل خاص للمغتربين، بهدف جمع ما بين 50 و70 مليار دولار بحلول سبتمبر. لكن اليوم، وبعد الحماسة الأولية التي لم تدم طويلاً، عادت الروبية لتواجه ضغوطاً متجددة، وسط مخاوف من عجز السلطات عن تحقيق الهدف المرجو. فما السبب وراء ذلك؟
تكمن الإجابة في احتمال تشخيص الأزمة أساساً بشكل خاطئ. فبدلاً من رؤيتها كأزمة عابرة تتعلق بالصرف الأجنبي، قد تكون الأزمة في حقيقتها انزلاقاً يعكس تحديات هيكلية تمس الاستقرار الاقتصادي الكلي وآفاق النمو.
فمن جهة، ورغم الجهود التي بذلتها حكومة مودي للدفع بنشاط نحو الطاقة المتجددة، لا تزال درجة اعتماد الهند على الطاقة العابرة للحدود مرتفعة بشكل غير عادي، ما يجعلها عرضة للصدمات الخارجية. إذ تستورد البلاد نحو 35% من صافي احتياجاتها الإجمالية من الطاقة، مقارنة بنحو 20% فقط في الصين.
وما يزيد الأمر سوءاً هو العجز الممتد منذ عقود عن تسعير الطاقة حسب أسعار السوق، ما شجع على الاستهلاك المفرط. ولا تتوقف هذه التشوهات عند حدود الوقود فحسب، بل تمتد لتشمل الأسمدة التي يعتمد إنتاجها على الغاز الطبيعي، حيث تم تثبيت أسعارها، وتتراوح نسبة الدعم الحكومي لها بين 70% و80% اعتماداً على تقلبات الأسعار العالمية.
أما بالنسبة للكهرباء، فتتحمل حكومات الولايات فاتورة دعم تصل إلى نحو واحد إلى واحد ونصف بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويحصل المزارعون على دعم بنسبة 90% والأسر على دعم بنسبة 45%. والواقع أن أكثر من 60% من دعم الطاقة يذهب لصالح الطبقتين المتوسطة والغنية.
ورغم امتلاك الهند القدرة على توجيه الدعم المباشر نحو مستحقيه الأكثر احتياجاً بما يسمح بترشيد الأسعار، إلا أن الحكومة المركزية وحكومات الولايات لم تتجرأ حتى الآن على اتخاذ هذه الخطوة الجريئة.
من جهة أخرى، تعكس التقلبات الأخيرة للروبية تحديات هيكلية تمس النمو ذاته. فقد أدى الصعود المتسارع للذكاء الاصطناعي ورفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى تقليص التدفقات المالية نحو الأسواق الناشئة، حيث أعاد المستثمرون إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية لصالح السوق الأمريكية.
ولكن حتى في العام الذي سبقت فيه الحرب الأخيرة، كانت الروبية تعاني ضغوطاً متواصلة، رغم التدخلات المكثفة لبنك الاحتياطي الهندي، ورغم تسجيل معدلات نمو حقيقية ومتوقعة تجاوزت 6.5 بالمئة.
وتظهر المخاوف بشأن النمو بوضوح في ضعف استثمارات الشركات الخاصة، التي واصلت انكماشها لتصل حالياً إلى ما يقارب نصف مستوياتها القياسية التي تم تسجيلها خلال سنوات الطفرة في العقد الأول من القرن الحالي.
ويشكل هذا التراجع لغزاً حقيقياً، خصوصاً أن المحركات الظاهرة للاستثمار تبدو قوية، فهناك استقرار للاقتصاد الكلي، ونظام مالي متماسك، ونمو سريع في البنية التحتية، وحكومة تواصل الإصلاحات المالية. فقد قامت الحكومة بتحديث قوانين الضرائب والعمل، وكبحت نزعة الحماية التجارية من خلال إبرام اتفاقيات تجارة حرة مع المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتسعى لاتفاق مماثل مع أمريكا. غير أنه من الواضح أن المستثمرين لم يقتنعوا بعد.
أيضاً يلقي التحول التكنولوجي المزدوج بظلاله على المستقبل، الذي ينتظر فيه أن تحل الروبوتات محل العمالة غير الماهرة. بينما كانت الهند تطمح أن تكون بديلاً للتصنيع الصيني، وكانت استثمارات شركة آبل وغيرها من الشركات متعددة الجنسية مشجعة، إلا أنها أثبتت أنها مجرد استثناء لا القاعدة. إذ ظلت حصة الهند من السوق العالمية للصناعات كثيفة العمالة تتراجع بثبات منذ أن بلغت ذروتها عند نحو 4.5% في عام 2011.
في الوقت نفسه، يهدد الذكاء الاصطناعي نمو قطاع خدمات تقنية المعلومات. فالشركات المحلية الكبرى التي قادت الطفرة المبكرة إما تباطأت في التوظيف أو بدأت بالفعل في تقليص الوظائف. وحتى «مراكز القدرات العالمية» التي كانت الركيزة الأساسية لنمو قطاع تخصص في أنشطة متميزة مثل تحليل البيانات، أصبح الذكاء الاصطناعي يقوم بها بسهولة، ما أدى لتراجع حاد في أسعار أسهم شركات التقنية الهندية.
وعلى نحو أكثر عمقاً، أبدت الحكومة عجزاً عن طمأنة المستثمرين بشأن استقرار بيئة الأعمال وإمكانية التنبؤ بها. فقد تصرفت في بعض الأحيان بأساليب بدت تعسفية لترجيح كفة بعض الشركات الكبرى على حساب غيرها، وتم رصد حالات أجبرت فيها أعمال تجارية على بيع عملياتها لمنافسين أكبر عقب حملات تفتيش ومداهمات ضريبية وأمنية.
وكان الاقتصاديون يجادلون قديماً حول ما إذا كان الاستثمار العام يزاحم رأس المال الخاص، غير أن الهند تشهد اليوم حالة فريدة يزاحم فيها الاستثمار الخاص المقرب من السلطة الاستثمارات الخاصة للشركات الأصغر والمنافسين الأجانب.
ويظل السؤال الأكبر المطروح اليوم: هل أدت الدوافع السياسية التي نالت من نظام الضوابط والتوازنات إلى تآكل مناخ الاستثمار في الهند عبر إضعاف الثقة في سيادة القانون؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن ضعف الروبية ليس إلا عرضاً ظاهرياً لمشكلات أكثر عمقاً تستوجب العلاج.
