ثورة الذكاء الاصطناعي تصطدم بأكثر القطاعات تقلباً في العالم

مايكل أكتون، وسونغ جونغ-آه
توقفت المسيرة المتواصلة لأسهم شركات أشباه الموصلات فجأة مع بدء المستثمرين في مناقشة خطر قديم، وهو إمكانية حدوث فائض في المعروض داخل صناعة شرائح الذاكرة المعروفة بتقلباتها الدورية الحادة. 

فقد انخفض سهم شركة «سامسونغ إلكترونيكس» بنحو الثلث مقارنة بقمة يونيو الماضي، رغم التوقعات الفصلية التي جاءت أقوى من المتوقع.

ورغم أن شركة «إس كيه هاينكس» أتمت طرحاً ناجحاً لأسهمها في أمريكا، إلا أن أسهمها في كوريا الجنوبية تراجعت بنحو 40%، بينما هبط سهم «مايكرون» بأكثر من 30%.

هذا التذبذب في أسعار الأسهم يعكس سباقاً محفوفاً بالمخاطر بين الطلب على شرائح الذاكرة من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي من جهة، والاستثمارات الضخمة التي يتم ضخها لزيادة المعروض من جهة أخرى.

ومع صعود شركات أشباه الموصلات إلى مصاف أكبر الشركات في العالم من حيث القيمة السوقية، وتسجيلها أفضل أداء في الأسواق خلال العام الماضي، فإن نتيجة هذا السباق ستنعكس على عوائد ملايين المستثمرين.

وتعهد مسؤولون في «إس كيه هاينكس» بمضاعفة الطاقة الإنتاجية 3 مرات بحلول عام 2034. وأعلنت الشركة خططاً استثمارية بقيمة ألف ومئة تريليون وون (نحو 739 مليار دولار)، تشمل ستمئة تريليون وون لبناء 4 مصانع لذاكرة «دي رام» في يونغين بحلول عام 2033، ومئة تريليون وون لمصنع الذاكرة الوميضية في تشيونغجو، وأربعمئة تريليون وون لتطوير مجمع جديد لأشباه الموصلات في المنطقة الجنوبية الغربية من كوريا الجنوبية.

ووضع صانعو الشرائح هذه الخطط بناءً على افتراض استمرار قوة الطلب من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات السبع المقبلة. إلا أن هناك مخاوف مشروعة من هبوط الطلب على الذاكرة إذا فشلت عوائد استثمارات الذكاء الاصطناعي في تلبية التوقعات.

وذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية «دي رام» هي ذاكرة قصيرة المدى تستخدمها أجهزة الكمبيوتر لتخزين المعلومات خلال العمليات الحسابية.

وتشكل شرائح الذاكرة نقطة اختناق رئيسية في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، حيث يتجاوز الطلب المعروض، ما يحقق أرباحاً قياسية قصيرة المدى للمنتجين الرئيسيين.

وفي إعلان حديث، ذكرت «سامسونغ إلكترونيكس» أنها ستستثمر ألفين ومئة تريليون وون (نحو تريليون وأربعمئة مليار دولار) في عمليات أشباه الموصلات بكوريا الجنوبية حتى عام 2040، دون أن تفصل بين أعمال الذاكرة وتصنيع الشرائح لحساب الغير.

لكن صناعة ذاكرة «دي رام» تتسم بتقلبات حادة، حيث يعود وجود الموردين الثلاثة المهيمنين اليوم لنجاحهم في البقاء من بين نحو 20 منافساً في تسعينيات القرن الماضي، بعد سقوط معظمهم نتيجة ضخامة الاستثمارات.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت الشركات الثلاث عن استثمارات تعد الأكبر في تاريخ القطاع، بما في ذلك ما وصفته حكومة كوريا الجنوبية بـ «القفزة الكبرى»، وهي استثمارات مشتركة بين «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» تهدف لمضاعفة إنتاج البلاد من ذاكرة «دي رام» خلال 5 سنوات.

ورغم أن غالبية المنشآت الجديدة لن تدخل الخدمة قبل عام 2030، فإن التوسع يتطلب استثمارات تتجاوز ألفي تريليون وون (نحو 1.5 تريليون دولار) على مدار السنوات المقبلة، ما يثير المخاوف من دورة جديدة من الطفرة والانهيار.

وبينما يتساءل المستثمرون عما إذا كان بمقدور شركات الحوسبة السحابية العملاقة مواصلة إنفاقها المتزايد على الذكاء الاصطناعي، قررت شركة «ميتا» بيع فائض طاقتها الحوسبية، ما غذى مخاوف من إمكانية تباطؤ الطلب بمجرد اكتمال الموجة الأولى من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

في الوقت نفسه، وعدت «مايكرون» باستثمار أكثر من 250 مليار دولار في أمريكا حتى عام 2035، بما في ذلك مصانع جديدة في أيداهو ونيويورك وفيرجينيا، فضلاً عن الاستثمار في مصنع «دي رام» بمدينة هيروشيما اليابانية ومشروعات أخرى حول العالم، منها الهند.

في المقابل، يرى بعض المحللين أن الدورة الحالية تختلف عن سابقاتها، وأن الخبرات السابقة قد تكون مضللة، لأن لكل دورة خصائصها الفريدة. فتصنيع الذاكرة عالية النطاق الترددي، المطلوبة بكثرة للذكاء الاصطناعي يستهلك عدداً أكبر من رقائق السيليكون، ما يحد قدرة الشركات على إغراق السوق، كما أن زيادة كفاءة ذاكرة «دي رام» أصبحت أكثر صعوبة من الناحية التقنية.

وبلغ النقص في ذاكرة «دي رام» مستويات دفعت العملاء لتوقيع عقود توريد لسنوات عدة مع «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» و«مايكرون»، لضمان الإمدادات. وهذه العقود الجديدة، التي تتضمن دفعات مقدمة وحدوداً دنيا للأسعار، تعكس رغبة مشتركة في تجنب تقلبات السوق وتفادي فترات الفائض أو النقص الحاد في المعروض.

وبناء المصانع الجديدة يستغرق سنوات، فمشروع «إس كيه هاينكس» في يونغين تم الإعلان عنه عام 2019. ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج بشكل محدود فقط في نهاية عام 2027. وحسب توقعات مؤسسة «نومورا» فإن أي تسريع لخطط البناء الحالية سيستغرق 5 سنوات على الأقل ليؤثر بشكل ملموس على المعروض.

بالتالي فإن احتمال حدوث فائض في المعروض يقل في حالة الذاكرة عالية النطاق الترددي لأنها شرائح مخصصة بامتياز، إلا أن ذاكرة «دي رام» التقليدية قد تواجه فائضاً في الطاقة الإنتاجية اعتباراً من عام 2029.

أما على صعيد المنافسة، فتشغل شركة «تشانغ شين لتقنيات الذاكرة» الصينية ثلاثة مصانع لإنتاج رقائق ذاكرة «دي رام» مقاس 12 بوصة، وتؤكد التزامها بتوسيع الطاقة الإنتاجية وزيادة حصتها من السوق العالمي.

وتتوقع شركة البحث «سيمي أناليسيس» أن تمتلك الشركة الصينية طاقة لإنتاج 350 ألف رقاقة جديدة شهرياً بنهاية العام الجاري، وهو رقم يقترب من الطاقة الإنتاجية لشركة «مايكرون» البالغة 385 ألفاً، لتصل إلى 500 ألف رقاقة بنهاية عام 2028.

وتظل الصين هي العامل الأكبر في حالة عدم اليقين، حيث تستعد شركة «تشانغ شين» لإدراج مالي بقيمة تسعة مليارات وثمانين مليون دولار قد يستخدم في تمويل المزيد من التوسعات ويساعدها على كسر الهيمنة الطويلة للشركات الثلاث الكبرى.

وتتوقع «مورجان ستانلي» أن تستحوذ الصين على نحو 30% من صافي الإضافات لرقائق ذاكرة «دي رام» حتى عام 2028، لتحل ثانياً بعد كوريا الجنوبية.

بالتالي ستكون الصين المتغير الحاسم، لذلك قد لا يتوقف مستقبل سوق ذاكرة «دي رام» على قرارات الشركات الكورية وحدها، بل على مدى سرعة واتساع التوسع الصيني. فكلما زادت استثمارات «تشانغ شين» بوتيرة أسرع من المتوقع، ازدادت صعوبة الحفاظ على التوازن بين العرض والطلب.