رايان مكمورو وجوشوا فرانكلين
برز بنك «مورغان ستانلي» كونه مهندساً رئيسياً لآليات تمويل تغذي طفرة الذكاء الاصطناعي في «وول ستريت»، بعد أن ابتكر نماذج جديدة للديون وحقوق الملكية، تضخ عشرات المليارات من الدولارات في التوسع الضخم لمراكز البيانات.
ووفقاً لجميع التنفيذيين في القطاع أصبح البنك المستشار المهيمن، الذي يقود أكبر الصفقات وأكثرها ابتكاراً لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، ويشمل ذلك إصدار سندات بقيمة 3.2 مليارات دولار لصالح شركة تطوير مراكز البيانات «تيراوولف» بضمانة من شركة «جوجل»، وحزمة ديون بقيمة 27 مليار دولار لمشروع مراكز البيانات «هايبيريون» التابع لشركة «ميتا» بالشراكة مع «بلو آول»، إضافة إلى تقديم المشورة مؤخراً لشركة «برودكوم» في صفقة تمويل شرائح إلكترونية بقيمة 35 مليار دولار.
وأسهم هذا الصعود القوي للبنك في تفوقه على منافسه التقليدي «جولدمان ساكس»، خلال النصف الأول من العام في رسوم أسواق أوراق الديون وأسواق أسهم رأس المال، والتي نمت إلى 2.3 مليار دولار مقارنة بـ 1.4 مليار دولار في الفترة نفسها العام الماضي، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن (LSEG).
وترافق ذلك مع صعود «مورغان ستانلي» إلى المركز الثاني عالمياً في رسوم أسواق رأس المال خلف «جي بي مورغان تشيس»، بعد أن كان في المركز الرابع قبل عام.
وتكشف هذه الصفقات كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أسواق رأس المال إلى جانب التكنولوجيا، فبدلاً من الاعتماد حصراً على تمويل المشاريع التقليدي أو الاقتراض المؤسسي ينكب المصرفيون بشكل متزايد على تصميم هياكل تمويلية، تقوم بتوريق عقود الحوسبة طويلة الأجل والميزانيات العمومية لشركات التكنولوجيا الكبرى في أوراق مالية يمكن بيعها للمستثمرين التقليديين.
وأدت هذه النتيجة إلى زيادة رؤوس الأموال المتاحة لتمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بشكل دراماتيكي، مع ربط أجزاء أكبر من النظام المالي بالطلب المستمر على حوسبة الذكاء الاصطناعي، والمبالغ المالية التي كانت تراوح سابقاً بين مليار ومليارين وخمسة مليارات دولار أصبحت تراوح اليوم بين 10 و20 مليار دولار بل وأكثر من ذلك.
وأكد عمالقة التكنولوجيا في السيليكون فالي عجزهم عن تلبيات طلبات العملاء مع مواصلتهم رفع مستويات الإنفاق، ويتوقع «مورغان ستانلي» نفسه أن يلتهم التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إنفاقاً رأسمالياً يصل إلى 10 تريليونات دولار خلال السنوات المقبلة.
كان المفتاح الأساسي لتأمين تمويل بمليارات الدولارات، وبأسعار فائدة منخفضة هو وجود شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «جوجل» و«أمازون» و«ميتا» و«مايكروسوفت» عملاء رئيسيين لمراكز البيانات، فهذه الشركات تتمتع بمراكز مالية قوية للغاية، وعندما تلتزم بعقود طويلة الأجل لاستئجار سعة من مركز بيانات ينظر المقرضون إلى المشروع باعتباره أقل مخاطرة، ما يؤدي إلى خفض كلفة التمويل بشكل كبير، قد يصل إلى نحو النصف.
وفي هذا السياق لعب ويليام جراهام، الرئيس المشارك لقسم التمويل بالرافعة المالية في «مورغان ستانلي»، دوراً محورياً في ابتكار نموذج تمويلي أصبح مرجعاً لمشاريع البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، فقد صمم فريقه إصداراً من السندات لصالح شركة «تيراوولف» المطورة لمراكز البيانات، بحيث يمكن تداوله بسهولة في الأسواق المالية، لكنه أضاف إليه في الوقت نفسه ضمانات شبيهة بتلك المستخدمة في تمويل المشاريع الاستثمارية الكبرى، والنتيجة كانت أداة تمويل هجينة مدعومة فعلياً بقوة «جوجل» الائتمانية، بينما سيخصص الجزء الأكبر من الطاقة الاستيعابية للمركز لصالح شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
وجذبت هذه الهندسة المالية فئات جديدة من مستثمري الائتمان مثل شركات التأمين ومديري الأصول وصناديق التقاعد لتمويل بناء مراكز البيانات، ما أتاح لـ«تيراوولف» جمع 3.2 مليارات دولار بعائد بلغت نسبته 7.75 في المئة.
وأتاح هيكل سندات البناء الجديد هذا لـ«تيراوولف» تجاوز عمليات المراجعة البطيئة والمرحلية، التي تفرضها البنوك عند السحب من قروض تمويل المشاريع التقليدية، والاقتراض بكلفة منخفضة، بحسب باتريك فلوري المدير المالي للشركة، الذي قال: «عملياً تمكنا من الاقتراض بالاستناد إلى قوة الميزانية العمومية لشركة جوجل».
ولإضفاء المزيد من الطمأنينة للمستثمرين اعتمد «مورغان ستانلي» ميزات من تمويل المشاريع مثل «الحسابات المقيدة»، التي تحمي مدفوعات الإيجار وتوجهها مباشرة إلى حملة السندات، إضافة إلى تقديم ضمانات إضافية أخرى. ومنذ صفقة «تيراوولف»، باع «مورغان ستانلي» أكثر من 40 مليار دولار من منتجات سندات البناء، وينقل هذا الهيكل المالي حالياً إلى أسواق جديدة عبر آسيا وأوروبا.
وتوقع جراهام الوصول إلى مرحلة تشكل فيها سندات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أغلبية الطروحات السنوية للديون الجديدة غير الاستثمارية. وقال: «إنها القطاع الأسرع نمواً، والمرة الأولى التي يظهر فيها قطاع جديد تماماً في السوق منذ 20 عاماً».
في المقابل أبدى بعض المصرفيين المنافسين تحفظهم على الظهور بمظهر اللاعب الأول في هذا المجال، نظراً لعدم شعبية مراكز البيانات لدى المجتمعات المحلية في مختلف الولايات الأمريكية، كما حذر جيريمي بارنوم، المدير المالي لـ«جي بي مورغان»، خلال هذا الأسبوع من أن البنك راجع شروط الإقراض لبعض صفقات تمويل مراكز البيانات وخلص إلى القول: «نعم، لن ندخل في مثل هذه الصفقات»، لكن «مورغان ستانلي» أسهم في دفع هذا النموذج إلى ما هو أبعد من مجرد تمويل أجهزة ومباني مراكز البيانات نفسها، ففي مايو رتب البنك بالتعاون مع مجموعة «إم يو إف جي» قروضا بقيمة 3.1 مليارات دولار لشركة الحوسبة السحابية الناشئة «كور ويف» لشراء وتركيب معالجات الرسوميات من «إنفيديا»، وهي الشرائح اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي المتقدم. وكانت هذه أول عملية تمويل لشرائح المعالجة تنفذ كونها قرضاً لأجل مشترك على نطاق واسع، ما أتاح دخول شريحة أوسع من رؤوس الأموال، وهذه المرة لتمويل الشرائح ذاتها.
وأشار جراهام إلى أن القرض جذب طلباً استثمارياً قارب 20 مليار دولار، ما يؤكد الجاذبية العالية لنموذج تمويلي يعتمد بدرجة أقل على القيمة الذاتية للشرائح، وبدرجة أكبر على العقود المبرمة لاستخدامها. وبموجب هذا الهيكل يتم تمويل معالجات الرسوميات ومراكز البيانات بشكل منفصل، حيث ينال المبنى التمويل بناء على عقد الإيجار، بينما تمول الشرائح مقابل عقود شراء ملزمة طويلة الأجل.
ورغم أن الشرائح تعد ضمانة إضافية إلا أن مستثمري الائتمان يركزون بشكل أكبر على الجهة التي وقعت عقود استئجار تلك الشرائح.
وفي مارس ساعد «مورغان ستانلي» شركة «كور ويف» في تسعير قرض شرائح بقيمة 8.5 مليارات دولار مدعوم بعقد مع إحدى شركات الحوسبة السحابية العملاقة بفائدة تتجاوز سعر الفائدة المرجعي بنسبة 2.25 في المئة، أما قرض الشرائح الصادر في مايو فكان مدعوماً بجهات ائتمانية أضعف، مختبرين اثنين للذكاء الاصطناعي، وبفائدة تزيد 4.5 في المئة على السعر المرجعي.
ويعكس هذا الفارق الواسع في الفائدة خطراً رئيسياً يكتنف طفرة تمويل الذكاء الاصطناعي، فكلما ابتعد الإقراض عن الميزانيات العمومية لشركات الحوسبة العملاقة واتجه نحو مختبرات الذكاء الاصطناعي التي تستهلك القدر الأكبر من الطاقة الحوسبية أصبحت جودة الائتمان الأساسية أكثر هشاشة.
وقال راج جوشي، النائب الأول للرئيس في وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، إن السلامة المالية لشركتي «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» تشكل خطرا يراقبه عن كثب. وأضاف جوشي «هذه دورة استثمارية ضخمة في الإنفاق الراسمالي، ولا توجد لها أي أمثلة مشابهة في التاريخ... ولا يوجد كتيب قواعد أو خريطة طريق سابقة لتقييمها».
