نولان شافير، جورج ستير
يتدافع صغار المستثمرين على ما يعرف بالعقود الآجلة الدائمة، وهي عقود تم السماح بتداولها في الولايات المتحدة في مايو الماضي فقط، رغم تحذيرات جمعيات حماية المستهلك التي وصفتها بأنها «المنتج الأكثر خطورة في عالم العملات المشفرة».
وفي بعض زوايا منصة تيك توك، يستعرض مستثمرون شباب سيارات رياضية وفيلات يزعمون أنهم اشتروها من أرباح هذه المشتقات المالية ذات الرافعة المالية العالية، والتي يتم تداولها على مدار الساعة طوال أيام السنة، وتتيح تنفيذ مضاربات ضخمة بمبالغ نقدية صغيرة.
شيخار سيهجال، الطالب الجامعي الذي يبلغ من العمر 19 عاماً، أحد هؤلاء المتباهين، والذي قام العام الماضي بسحب أمواله من أسواق تداول العقود الدائمة عبر منصة «هايبرليكويد» (Hyperliquid) ومقرها سنغافورة. وقال شيخار على تيكتوك:
إن «الرافعة المالية العالية رائعة، فأنت تحقق حجم أرباح لا يصدق في فترة زمنية قصيرة». لكنه أضاف أن هذه العقود «أكثر خطورة بنسبة 100% من التداول الفوري، إذ يمكن أن تستيقظ في الصباح التالي لتجد أن مركزك المالي قد تمت تصفيته تماماً».
وبعد سنوات من النزاعات القانونية مع المنصات الخارجية التي ابتكرت هذه العقود من مقارها في جزر سيشل وجزر كايمان، سمحت الجهات التنظيمية هذا العام لبضع شركات محلية، منها «كالشي» (Kalshi) و«كوين بيس» (Coinbase)، بتقديم هذه المنتجات للمرة الأولى. ووصف رئيس هيئة تداول السلع الآجلة هذا القرار بأنه «لحظة تحول» للأسواق المالية الأمريكية، ضمن تبني إدارة ترامب لـ «الابتكار» المالي.
وبالنسبة للمنتقدين، فإن هذه الخطوة تشجع على مزيد من التداول القائم على المضاربة والبحث عن الإثارة، امتداداً للطفرة التي شهدتها أسواق التنبؤات، ما يعرض صغار المتداولين للخسائر.
ويجعل الأسواق أكثر تقلباً في أوقات الأزمات. ويرى جيمس ديفيز، مؤسس شركة مقاصة أن «تصميم العقود الآجلة الدائمة لا يوفر أي وسادة حماية عند حدوث أزمة، بل هي مجرد قنبلة موقوتة يتقاذفها المتداولون، وكلما زاد اعتماد السوق على هذه العقود، تفاقمت المشكلة».
وأضاف أن «الطلب من صغار المستثمرين على هذه المخاطرة قصيرة الأجل هائل، لكن إذا سألتهم عن حجم الخسائر المحتملة في هذه العقود، فلن تجد لديهم إجابة».
ورغم هذه التحذيرات، حققت العقود الدائمة قفزة هائلة في شعبيتها داخل الولايات المتحدة. فكشفت شركة «كالشي»، وهي من أوائل الشركات التي أدخلت هذا المنتج إلى أمريكا، إن هذه المشتقات جذبت تداولات بقيمة مليار دولار في أقل من أسبوع من إطلاقها، ما جعلها المنتج الأسرع نمواً في تاريخ الشركة. ووصف طارق منصور، الرئيس التنفيذي لشركة كالشي، هذه العقود بأنها «أنقى أشكال التداول».
وقد صاغ الأكاديمي في جامعة ييل، روبرت شيلر، الفكرة الأولى لهذه العقود في أوائل تسعينيات القرن الماضي، لكن منصة «بيت مكس» (BitMex) هي من جعلتها شائعة بين متداولي العملات المشفرة عام 2016.
وتختلف العقود الآجلة الدائمة عن العقود الآجلة التقليدية في أنها لا تنتهي صلاحيتها أبداً، ولا تتضمن تسليماً فعلياً للأصل، إذ يكتفي المتداولون باتخاذ موقف صعود أو هبوط على سعر الأصل، مثل البتكوين. وللحفاظ على تطابق سعر هذه العقود مع سعر السوق الفوري، يدفع المتداولون لبعضهم مبالغ دورية تسوي الفارق بين السعرين.
وتتيح المنصات الخارجية رافعة مالية تصل إلى 40 ضعفاً على كل شيء، بدءاً من أسعار الطاقة وصولاً إلى قيمة الشركات الخاصة قبل طرحها للاكتتاب العام. ووفقاً لبنك أوف أمريكا، بلغت قيمة تداولات العقود الدائمة للعملات المشفرة العام الماضي نحو 90 تريليون دولار، ارتفاعاً من نحو 30 تريليون دولار في عام 2023.
ويقول محللون إن الطلب القوي على العقود الدائمة للنفط عبر منصة «هايبرليكويد» منذ بداية الحرب الإيرانية ساهم بشكل شبه مؤكد في دفع هيئة تداول السلع الآجلة الأمريكية لنقل هذا التداول إلى داخل الولايات المتحدة.
كما تضغط شركة أسسها نجل عضوة مجلس الشيوخ المؤيدة للعملات المشفرة، كيرستين جيليبراند، على الجهات التنظيمية للسماح بالعقود الدائمة على الأسهم الأمريكية.
وقد أثار قرار الهيئة التنظيمية في مايو بتصنيف هذه العقود الدائمة كـ «عقود آجلة» وليس كـ «عقود مقايضة» انتقادات واسعة؛ إذ يمنحها هذا التصنيف مزايا لا تتوفر للمشتقات المالية الأخرى، مثل خضوعها لرقابة حكومية أخف، واستفادتها من إعفاءات ضريبية تفضيلية، وشروط مالية أكثر مرونة.
والشهر الماضي، رفعت مجموعة «سي إم إي» (CME Group) لإدارة البورصات دعوى قضائية ضد هيئة تداول السلع الآجلة، بدعوى أن رئيسها مايكل سيليج ألغى «بجرة قلم واحدة» القواعد التنظيمية التي فرضت عقب الأزمة المالية عام 2008، بينما وصفت الهيئة الدعوى بأنها «لا قيمة لها».
ويقول بنجامين شيفرين، مدير سياسة الأوراق المالية في جمعية «Better Markets» لحماية المستهلك: إن هذه العقود هي «المنتج الأكثر خطورة في عالم العملات المشفرة» بالنسبة للمتداولين الأفراد، مضيفاً أن الهيئة التنظيمية «يبدو أنها تجاهلت تماماً المخاطر التي يشكلها المنتج الذي وافقت عليه».
ومن بين أسباب شعبية هذه العقود أنها تجتذب تداولات كافية لتقديم مؤشرات سعرية قيمة خلال الفترات التي تكون فيها الأسواق التقليدية مغلقة.
ويقول إيان دي بود، رئيس منصة «أوندو» (Ondo): «الأحجام مرتفعة بما يكفي لدرجة أن هذه العقود تقدم خلال عطلات نهاية الأسبوع استكشافاً حقيقياً للأسعار ومؤشرات لليلة الأحد في أمريكا»، وهو الوقت الذي يبدأ فيه تداول الأسهم والسلع في آسيا.
لكن الجوانب السلبية للتداول المستمر، والتصميم الفريد لهذه العقود، يعني أن أي تراجع في السوق يمكن أن يتحول سريعاً إلى موجة بيع متصاعدة. ففي الأسواق التقليدية، يتلقى المستثمرون الذين يواجهون خسائر طلباً عاجلاً لتغطية الهامش عبر إيداع أموال إضافية أو ضمانات قبل مهلة محددة لتجنب تصفية مراكزهم.
أما متداولو العقود الدائمة فيواجهون مخاطر مختلفة؛ إذ تتم التصفية فوراً، وأحياناً دون إنذار مسبق، بمجرد هبوطها دون حد معين. كما يمكن أن تتعرض الصفقات الرابحة لـ «تخفيض تلقائي للرافعة المالية» كملجأ أخير لمنع منصات المشفرة من الإفلاس خلال الأزمات.
ومع غياب التأخير الذي تتيحه طلبات تغطية الهامش، فإن الإغلاق المفاجئ للمراكز المالية يمكن أن يرمي بمزيد من الأصول في سوق هابطة بالفعل، ما يدفع الأسعار لمزيد من الهبوط ويتسبب في موجات تصفية إضافية.
وقد تعرض أكثر من 1.5 مليون متداول عملات مشفرة لتصفية مراكزهم خلال 24 ساعة فقط من تهديد دونالد ترامب في العاشر من أكتوبر بفرض رسوم جمركية جديدة على الصين، ما أدى إلى هبوط سعر البتكوين بنحو 10%. وفقدت سوق العملات المشفرة العالمية 1.2 تريليون دولار، أو 25% من قيمتها، خلال الأسابيع الستة التالية.