كما أن نهجه المتقلب وغير المتوقع في صنع السياسات يرفع حدة عدم اليقين لمستويات غير مسبوقة، أما الأضرار الناجمة عن تقويض ترامب للنظام التعاوني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية فلا يمكن إحصاؤها أو تقديره.
ويمكن الجدال أيضاً بأن التحدي الاستراتيجي، الذي يفرضه صعود الصين على الولايات المتحدة جعل تحويل التجارة إلى سلاح مسألة لها أولوية تتقدم على السعي وراء تحقيق النمو الاقتصادي الفردي.
في حين بلغت الديون العامة مستويات لم تشهدها البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والاقتصاد الأمريكي يدار حالياً، إذا جاز التعبير، عند مستويات حرارة مرتفعة للغاية.
وبشكل لا يصدق، وسط انعدام أي آفاق لعمليات ضبط وتوحيد الديون التي تشتد الحاجة إليها في المستقبل المنظور، وبالطبع فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على أمريكا وحدها. ولا بد من دفع ثمن كل هذا.
فكما أشار بنك التسويات الدولية في تقريره الاقتصادي السنوي فإن تلك الطفرات وحالات الجموح التاريخية في الأسواق تتقاسم عاملاً مشتركاً، وهي طفرة تكنولوجية جذبت رؤوس أموال، تتجاوز بكثير ما يمكن للعوائد التجارية تبريره.
وفي نهاية المطاف تنتهي الأمور بانتكاسة وتراجع في الاستثمار، يفضي إلى ركود يشمل الاقتصاد بأكمله، وأكد بنك التسويات الدولية أن حجم طفرة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي ووتيرتها يحملان شبهاً كبيراً بتلك السوابق التاريخية.
وهناك مؤشرات، خصوصاً في سوق السندات، على بدء تشكل ما يمكن تسميته بـ«خصم ترامب»، فمنذ جائحة «كوفيد» وأسعار الفائدة على سندات الخزانة طويلة الأجل تزحف نحو الأعلى بشكل حتمي، ورغم ذلك فإن العوائد المرتفعة، اليوم، لا تعكس الحجم الكامل لمخاطر التضخم المحتملة.
وبعد سنوات من صدمات العرض الإيجابية الناجمة عن التركيبة الديموغرافية المواتية والعولمة يواجه العالم الآن ارتداداً عكسياً، وهي متطلبات هائلة للإنفاق العام المرتبط بزيادة أعمار السكان، واحتياجات دفاعية متزايدة، وتكاليف متصاعدة تتعلق بالتغير المناخي.
في الوقت نفسه يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه، إلى جانب البنوك المركزية الأخرى في العالم المتقدم، في مأزق بالغ الصعوبة، ففي السنوات الأخيرة كان تمويل الدين العام ينحاز بشدة نحو السندات والأوراق المالية قصيرة الأجل.
وتقصير هذه المدد يعني أن رفع أسعار الفائدة الأساسية استجابة للتضخم المتصاعد يفرض زيادة فورية ومباشرة في تكاليف خدمة الدين على الحكومات، ومن ثم فإن هناك خطراً يتمثل في «تحويل الديون إلى سيولة تضخمية».
حيث تفرض الحكومات على البنوك المركزية تمويل عجزها، وهو ما يسمى بـ«الهيمنة المالية»، ثم تبرز بعد ذلك مشكلة «الهيمنة التمويلية»، ﻷن هناك نسبة متزايدة من الديون العامة قصيرة الأجل تحتفظ بها صناديق تحوط متقلبة وذات رافعة مالية عالية. ويترتب على ذلك أن أي خطوة تتخذها البنوك المركزية لتشديد السياسة النقدية يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار المالي.
وهذا يعني أن البنوك المركزية ستجد نفسها مراراً وتكراراً تحت وطأة الضغوط لإنقاذ البنوك، وربما المؤسسات غير المصرفية أيضاً، عندما تبدأ الاضطرابات في الحدوث.
