متى يحين موعد الحساب في الأسواق الأمريكية؟

جون

لماذا تتبنى الأسواق العالمية سلوكاً لطيفاً ومهادناً تجاه التبعات الاقتصادية لسياسات دونالد ترامب؟ لقد عاد للتصعيد، مسلطاً الضوء مجدداً على قدرته على جعل الاقتصاد العالمي أكثر عرضة لصدمات الإمداد، والركود التضخمي المحتمل، والنتيجة الحتمية التي لا مفر منها هي أن آفاق سلام دائم ومستقر أصبحت الآن بعيدة، وتنذر بالتشاؤم بشكل كئيب.

إن حروب ترامب الجمركية وتحويله التجارة والتمويل إلى سلاح هجومي لا تزال تدفع نحو تفكيك الكفاءة الاقتصادية الهائلة، التي صاغتها العولمة.

كما أن نهجه المتقلب وغير المتوقع في صنع السياسات يرفع حدة عدم اليقين لمستويات غير مسبوقة، أما الأضرار الناجمة عن تقويض ترامب للنظام التعاوني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية فلا يمكن إحصاؤها أو تقديره.

ولا شك في أن المدافعين عن ترامب سيجادلون بأن الضرر الاقتصادي الذي أحدثه الرئيس الأمريكي قد تم تضخيمه، والمبالغة فيه إلى حد كبير، فصندوق النقد الدولي، في نهاية المطاف، يتوقع نمواً عالمياً بنسبة 3.0 % في عام 2026 و3.4 % في عام 2027، وهي أرقام ليست سيئة بالنظر إلى ما يصفه اقتصاديو الصندوق بأنه أكبر اضطراب يشهده سوق النفط منذ عقود.

أما فيما يتعلق بالحواجز التجارية المرتفعة فقد تم تخفيف وطأة تكاليفها، بفضل معدلات الرسوم الجمركية الفعلية، التي تبين أنها أقل مما كان متوقعاً في البداية، فضلاً عن إعادة توجيه مسارات التجارة، واستعداد الشركات لاستيعاب التكاليف، من خلال قبول هوامش ربح أقل.

ويمكن الجدال أيضاً بأن التحدي الاستراتيجي، الذي يفرضه صعود الصين على الولايات المتحدة جعل تحويل التجارة إلى سلاح مسألة لها أولوية تتقدم على السعي وراء تحقيق النمو الاقتصادي الفردي.

في غضون ذلك، خلقت طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة حالة من الابتهاج والنشوة في السوق، تعيد إلى الأذهان حمى القنوات المائية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وحمى السكك الحديدية البريطانية في أربعينيات القرن نفسه، وجموح قطاع الكهرباء في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وطفرة الإنترنت «دوت كوم» في أواخر التسعينيات.

وتأتي هذه الطفرة لتذكرنا بالقدرة الاستثنائية لقطاع الشركات الأمريكي على المضي قدماً في أعماله وإدارتها بقطع النظر عن المشاهد المسرحية والاستعراضية الصادرة عن واشنطن.

رغم ذلك فإن كل هذا يحدث في ظروف تتسم بسياسة نقدية ومالية بالغة التيسير والمرونة، فمجلس الاحتياطي الفيدرالي لم يحقق مستهدف التضخم منذ سنوات، وعجز الميزانية يسير، بشكل لا يصدق، عند نحو 6 % من الناتج المحلي الإجمالي.

في حين بلغت الديون العامة مستويات لم تشهدها البلاد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والاقتصاد الأمريكي يدار حالياً، إذا جاز التعبير، عند مستويات حرارة مرتفعة للغاية.

وبشكل لا يصدق، وسط انعدام أي آفاق لعمليات ضبط وتوحيد الديون التي تشتد الحاجة إليها في المستقبل المنظور، وبالطبع فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على أمريكا وحدها. ولا بد من دفع ثمن كل هذا.

فكما أشار بنك التسويات الدولية في تقريره الاقتصادي السنوي فإن تلك الطفرات وحالات الجموح التاريخية في الأسواق تتقاسم عاملاً مشتركاً، وهي طفرة تكنولوجية جذبت رؤوس أموال، تتجاوز بكثير ما يمكن للعوائد التجارية تبريره.

وفي نهاية المطاف تنتهي الأمور بانتكاسة وتراجع في الاستثمار، يفضي إلى ركود يشمل الاقتصاد بأكمله، وأكد بنك التسويات الدولية أن حجم طفرة الاستثمار الحالية في الذكاء الاصطناعي ووتيرتها يحملان شبهاً كبيراً بتلك السوابق التاريخية.

وهناك مؤشرات، خصوصاً في سوق السندات، على بدء تشكل ما يمكن تسميته بـ«خصم ترامب»، فمنذ جائحة «كوفيد» وأسعار الفائدة على سندات الخزانة طويلة الأجل تزحف نحو الأعلى بشكل حتمي، ورغم ذلك فإن العوائد المرتفعة، اليوم، لا تعكس الحجم الكامل لمخاطر التضخم المحتملة.

وقد أخفقت البنوك المركزية في الدول المتقدمة في توقع قفزة التضخم الحادة خلال عامي 2022 و2023، ما أدى إلى ما يوصف بالتعبير الاقتصادي الدارج إلى «زعزعة الاستقرار» أو فقدان السيطرة النفسية على الأسواق.

وبعد سنوات من صدمات العرض الإيجابية الناجمة عن التركيبة الديموغرافية المواتية والعولمة يواجه العالم الآن ارتداداً عكسياً، وهي متطلبات هائلة للإنفاق العام المرتبط بزيادة أعمار السكان، واحتياجات دفاعية متزايدة، وتكاليف متصاعدة تتعلق بالتغير المناخي.

في الوقت نفسه يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه، إلى جانب البنوك المركزية الأخرى في العالم المتقدم، في مأزق بالغ الصعوبة، ففي السنوات الأخيرة كان تمويل الدين العام ينحاز بشدة نحو السندات والأوراق المالية قصيرة الأجل.

وتقصير هذه المدد يعني أن رفع أسعار الفائدة الأساسية استجابة للتضخم المتصاعد يفرض زيادة فورية ومباشرة في تكاليف خدمة الدين على الحكومات، ومن ثم فإن هناك خطراً يتمثل في «تحويل الديون إلى سيولة تضخمية».

حيث تفرض الحكومات على البنوك المركزية تمويل عجزها، وهو ما يسمى بـ«الهيمنة المالية»، ثم تبرز بعد ذلك مشكلة «الهيمنة التمويلية»، ﻷن هناك نسبة متزايدة من الديون العامة قصيرة الأجل تحتفظ بها صناديق تحوط متقلبة وذات رافعة مالية عالية. ويترتب على ذلك أن أي خطوة تتخذها البنوك المركزية لتشديد السياسة النقدية يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار المالي.

وهذا يعني أن البنوك المركزية ستجد نفسها مراراً وتكراراً تحت وطأة الضغوط لإنقاذ البنوك، وربما المؤسسات غير المصرفية أيضاً، عندما تبدأ الاضطرابات في الحدوث.

ومع وصول السياسة النقدية والمالية الأمريكية إلى أقصى طاقاتها، وفي ظل ظروف مالية تتسم بالسهولة والتيسير الواضح، فإن الوقت لا يزال مبكراً للتنبؤ بحدوث شلل أو توقف مفاجئ في الأسواق. رغم ذلك فإننا نواجه تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج.

وأصبحت إدارة ترامب تشبه بشكل متزايد «سفينة المعتوهين» في فلسفة أفلاطون، وسينفد صبر أسواق السندات في نهاية المطاف، وتقديري أن لحظة الحسم والأزمة الحقيقية ستأتي خلال الأشهر الـ12 المقبلة.