هل تهدد نماذج الذكاء الاصطناعي الأصغر شركات التكنولوجيا الكبرى؟

جون بيرن - موردوخ وسارة أوكونور

لسنوات عدة ترددت على مسامعنا كثيراً مقولة إن نماذج الذكاء الاصطناعي المختصة في مجالات محددة، كالطب والقانون والتعليم، قادرة على مضاهاة النماذج الرائدة والعملاقة التي تنتجها شركات مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي».

وهذه النماذج عادة ما يتم بناؤها بإدخال تحسينات دقيقة على نماذج أصغر حجماً وأقل تكلفة وقدرة، وإخضاعها لـ «دورة تدريبية مكثفة» في مجال اﻻختصاص، مع تعديل خوارزمياتها الداخلية لتصبح أكثر قدرة على تقديم إجابات صحيحة.

ورغم أن هذه التجارب كانت مثيرة للاهتمام بل ومبهرة في بعض الأحيان، إلا أن نتائجها غالباً ما كانت مخادعة. إذ تبين أن التكافؤ المزعوم مع النماذج الرائدة كان يعني في حقيقته مضاهاة الأجيال السابقة من تلك النماذج لا أحدثها.

رغم ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الضبط الدقيق للنماذج المختصة، خصوصاً على مستوى احتياجات شركات بعينها، بدلاً من ضبطها على مستوى قطاع مهني بالكامل، قد لا يضاهي أداء النماذج الرائدة فحسب، بل قد يتفوق عليها تفوقاً مستداماً.

وحتى وقت قريب، كان يمثل هذا النهج الرائد التجربة التي قادتها شركة الذكاء الاصطناعي القانوني «هارفي إيه آي» بالتعاون مع «فايروركس إيه آي» مطلع هذا العام.

واعتمدت الشركتان على النموذج الصيني منخفض التكلفة «كيمي 2.6»، واختبرتاه وفقاً لمعايير الوكلاء القانونيين مع مراقبة آلية تفكيره واستدلاله. ثم استبعدتا الإجابات الخاطئة وأعادتا تدريبه على الإجابات الصحيحة.

وكانت النتيجة تحسن أدائه بنسبة 40% تقريباً، ما رفع أداء النموذج إلى مستوى النماذج الرائدة، ولكن بنسبة 1 إلى 11 من التكلفة.

غير أن هذا الإنجاز لم يدم طويلاً، إذ أطلقت شركة «أنثروبيك» نموذجها الجديد «أوبوس» قبل أيام فقط من نشر تلك النتائج، ليعيد كتابة الأرقام القياسية في الاختبارات نفسها ويستعيد الصدارة.

رغم ذلك، تظل وفورات التكلفة حقيقية وذات أهمية بالغة للعديد من الحالات التجارية. ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى الحاجة الفعلية للاعتماد على النماذج الرائدة المكلفة.

لكن في الشهر الماضي، ظهرت تجربة فاقت كل التوقعات. إذ تعاونت شركة إدارة الاستثمارات الشهيرة «بريدج ووتر أسوشيتس» مع مختبر «ثينكينج ماشينز»، الذي أسسته المديـرة التكنولوجية السابقة لشركة «أوبن إيه آي»، ميرا موراتي، لضبط نموذج ذكاء اصطناعي بناءً على الطريقة التي يعمل بها مدراء الاستثمار في الشركة. وجاءت النتيجة لتتفوق على النماذج الرائدة بتكلفة أقل بـ14 مرة، بل إن اعتماد هذا النموذج على المعرفة الحصرية للشركة قد يمنحه ميزة تنافسية أكثر ديمومة.

في البداية، طالبت «بريدج ووتر» خبراءها بصياغة توجيهات وأوامر مخصصة لإرشاد النموذج نحو الإجابات الصحيحة. وساعد ذلك بالفعل، لكن دقة الأداء توقفت عند سقف أقل من 80% مقارنة بالنماذج الرائدة. فالتوجيهات المكتوبة لا يمكنها سوى التقاط ما يستطيع الخبير صياغته بالكلمات، بينما يكمن الحل الأفضل في جعل النموذج يتعلم مما يفعله الخبراء

لذلك، استعانت الشركة في مرحلة الضبط الدقيق بالمستثمرين لديها. وحرصت على أن تعكس أهداف تدريب النموذج، ليس فقط الإجابات الصحيحة، بل المنهجية الواقعية التي يتبعها المحترفون لحل كل مشكلة.

نتيجة لذلك، وصلت دقة هذا النموذج المصمم خصيصاً إلى 85%، وانخفضت الأخطاء بنسبة 30% تقريباً، مقارنة بالنماذج الرائدة، وبتكلفة زهيدة.

يظل السؤال المثير للاهتمام هو مدى استدامة هذا التفوق؟ التاريخ يخبرنا أن النماذج المتخصصة سرعان ما تصبح أقل كفاءة عند ظهور نماذج عامة أحدث تغذت على كميات هائلة من البيانات العامة. واستطاعت عبر قدراتها الاستدلالية الوصول إلى إجابات مماثلة للنماذج المخصصة.

إلا أن تفوق «بريدج ووتر» يرتكز على معلومات وأحكام سرية وحصرية لا يمكن للنماذج الخارجية الوصول إليها.

وهذا يفسر أيضاً سبب قيام شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى بتعيين «موظفي معرفة»، لضخ هذا النوع من الخبرات المختصة في بيانات التدريب الخاصة بها.

ويثير هذا التحول تساؤلات حقيقية، فهل يمكن أن يغير ذلك من المفهوم الفعلي للذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال؟ يشبه كثيرون النماذج الرائدة بالمتدرب المجد والكفء، بينما تبدو النماذج المتخصصة داخل الشركات أشبه بموظف قضى سنوات يستوعب أفضل ممارسات المؤسسة وثقافتها.

وقد يتسبب ذلك في أن يكون الفائزون الجدد في السوق هم شركات «النموذج كخدمة»، التي تساعد الشركات الأخرى على بناء نماذجها المخصصة وصيانتها.

وبالنظر إلى أن الاستخدام المؤسسي كان المحرك الأساسي لتقييمات شركات الذكاء الاصطناعي، فهل يشكل هذا توجهاً يهدد نموذج أعمال «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»؟

من وجهة نظري، ستكون هذه الأنباء سيئة لـ «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» إذا انتشر هذا التوجه على نطاق واسع، لكنها ستكون ممتازة للشركات التي تمتلك المواهب التقنية الكفيلة بتبنيه.

فالأمر لا يتعلق بالتكلفة الأقل فحسب، بل سيخفف أيضاً حالة القلق التي يشعر بها الكثيرون من الاعتماد على حفنة نماذج احتكارية غامضة تشبه «الصناديق السوداء».

وقد أشار الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، ساتيا نادلا، إلى نقطة مماثلة أخيراً عندما حذر من أن الاقتصاد السياسي لن يتسامح لأجل غير مسمى مع عالم تستأثر فيه نماذج معدودة بكل القيمة الاقتصادية.

وفي هذا السياق، يبدو أن وجود عالم تقوم فيه الشركات بضبط نماذج أصغر حجماً بناءً على خبرات موظفيها هو الخيار الأفضل، لكنه يثير بدوره إشكاليات أخرى.

فقد استخدمت العديد من هذه التجارب، بما في ذلك تجربة «بريدج ووتر»، نماذج صينية، مثل نموذج «كيون 3 - 235 بي»، فهل يعرض ذلك الشركات لنوع جديد من المخاطر الجيوسياسية؟

رغم ذلك، ونتيجة لقيود التصدير الأمريكية الأخيرة التي فرضت لفترة وجيزة على نموذجي «فابل 5» و«ميثوس» من شركة «أنثروبيك»، فإن النماذج الأمريكية ليست بعيدة عن المخاطر السياسية هي الأخرى.

ويظل السؤال الأخير حول الموظفين أنفسهم، هل سيرغبون حقاً في المساعدة في ضبط نماذج بناء على خبرات قضوا عقوداً في بنائها؟

وهل سيثقون في أن أصحاب العمل لن يستخلصوا تلك المعرفة ثم يستغنون عن خدماتهم، أم أنهم سيرون في ذلك فرصة لبناء أدوات تلبي احتياجاتهم الفعلية بدلاً من الأدوات العامة التي تقدمها «أوبن إيه آي» أو «أنثروبيك»؟ إن الإجابة عن ذلك تعتمد، على الأرجح، على توازن الثقة والقوة داخل كل بيئة عمل.