آلان بيتي
لا يزال صدى ذلك الخطاب يتردد حتى اليوم؛ فقبل ستة أشهر، رسم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ملامح رؤية لنظام عالمي جديد تقوده تحالفات من القوى المتوسطة التي لا تعتمد على المظلة الأمريكية كركيزة أساسية لها.
واليوم تتمادى الحكومات في هذا النهج أكثر من أي وقت مضى.
فعندما أبرم الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارية ضئيلة في يناير الماضي، تم الزعم أنها تعكس تقارب قوتين استراتيجيتين عظيمتين تجمعهما غاية جيواقتصادية مشتركة، وهكذا دواليك، أنتم تعرفون القصة.
والصفقة الشهيرة للغواصات والتكنولوجيا بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة «أوكوس»، التي تم الإعلان عنها بضجة كبرى عام 2021، لم يكن لها أدنى صلة بالتجارة.
أولهما يكمن في غياب الإجماع اللازم ﻹبرام اتفاقيات جوهرية عبر المؤسسات متعددة الأطراف.
فبعض الحكومات تسعى جاهدة، على سبيل المثال، لوضع اتفاقية متعددة الأطراف بشأن تجارة البيانات والرقميات تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، متجاوزة الهند التي دأبت على عرقلة مثل هذه المساعي.
لكن حتى إن نجحت هذه الحكومات، فإن هذه الاتفاقيات لا تتضمن التزامات قوية وكافية للسيطرة على تنظيم شبكة الإنترنت المتنامية أو توجيهها.
فالاتفاقيات التفضيلية للتجارة في أوقات السلم، وتعتمد على التعريفات الجمركية وحقوق الملكية الفكرية وما شابه.
بالتالي فهي لا تجدي نفعاً في الحروب التجارية، ولم تمنع الصين من استخدام ترسانة واسعة من الأدوات لترسيخ هيمنتها الاستراتيجية.
وفي المحصلة، فإن الغالبية العظمى من التجارة الفعلية للسلع ستستمر على الأرجح دون انقطاع، والاتفاقيات التجارية المبرمة ستسهل حركة هذه التجارة على الهامش فحسب، لكنها لن تعالج الاختناقات ونقاط الضعف.
وحتى الآن، لم يحقق سوى اتفاق شكلي في اجتماع وزراء منظمة التجارة العالمية في مارس.
لكن الطموح الأكبر، الذي يمكن اعتباره واقعياً إلى حد ما، هو توحيد قواعد المنشأ لتسهيل بناء سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا، متجاوزة الصين.
ولن يهدد النفوذ الذي تشكله سيطرة الصين على بعض المعادن الحيوية، خصوصاً العناصر الأرضية النادرة، وهيمنتها على التقنيات ذات الأهمية الاستراتيجية.
غير أنه على أرض الواقع، نجد أن العديد من القوى متوسطة الحجم، مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا، وربما البرازيل وغيرها الكثير، تدور في الفلك الاقتصادي الصيني أو تتوجس خيفة من حكومات الدول المتقدمة، ما يجعلها عاجزة عن صياغة تحالفات قوية لا يمكن لبكين تفكيكها بالتهديد أو الإغراءات الاقتصادية.
في وقت سابق من هذا الأسبوع، أشرت إلى مبادرة شراكات التكنولوجيا النظيفة وخطتها لزيادة إنتاج الاتحاد الأوروبي للتكنولوجيا الخضراء ذات الأهمية الاستراتيجية من خلال اتفاقيات مع دول أخرى.
واللافت أنها تقترح مجموعة أدوات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تتجاوز بكثير الاتفاقيات التجارية التقليدية، بما في ذلك اتفاقيات التوريد، وحصص الملكية، والمشاريع المشتركة.
ومن اللافت أيضاً أن معظم الشركاء المقترحين: اليابان، وكوريا الجنوبية، وكندا، وأستراليا، هي دول ديمقراطية غنية متوافقة في التوجهات، وترتبط بالفعل بتحالفات استراتيجية واسعة مع أوروبا.
لذلك، فإن الحديث عن نظام عالمي جديد هو أمر مضلل بحد ذاته، إذ لن يكون هناك إطار قانوني أو منظومة حوكمة شاملة في المجالات ذات الحساسية الجيوسياسية، بل سنشهد بدلاً من ذلك تحالفات بناءً على المصالح، أو اتفاقيات ثنائية مخصصة تميل بطبيعتها نحو الدول الصديقة سياسياً.
وهو طرح قد لا يبدو ملهماً، ولكنه بلا شك أكثر واقعية من الاعتقاد بأن خوض معركة حامية حول منتجات استراتيجية بسلاح الاتفاقيات التجارية التقليدية سينتهي بغير الهزيمة النكراء.
