بناء نظام اقتصادي جديد «بالقطعة» وليس بمخطط شامل

آلان بيتي
لا يزال صدى ذلك الخطاب يتردد حتى اليوم؛ فقبل ستة أشهر، رسم رئيس الوزراء الكندي مارك كارني ملامح رؤية لنظام عالمي جديد تقوده تحالفات من القوى المتوسطة التي لا تعتمد على المظلة الأمريكية كركيزة أساسية لها. 

ومنذ ذلك الحين، تحاول الحكومات كافة، وفي مقدمتها كندا نفسها، تفكيك شفرة هذه الرؤية وفهم ما تعنيه عملياً على أرض الواقع.

وحتى قبل أن يصعّد دونالد ترامب التوترات الجيوسياسية، دأبت الحكومات على تضخيم شؤون السياسات التجارية الروتينية وتصويرها على أنها ذات أهمية استراتيجية.

واليوم تتمادى الحكومات في هذا النهج أكثر من أي وقت مضى.

فعندما أبرم الاتحاد الأوروبي والهند اتفاقية تجارية ضئيلة في يناير الماضي، تم الزعم أنها تعكس تقارب قوتين استراتيجيتين عظيمتين تجمعهما غاية جيواقتصادية مشتركة، وهكذا دواليك، أنتم تعرفون القصة.

والآن وكما هو معروف، أبرمت أيضاً بروكسل ونيودلهي بعض الاتفاقيات الدفاعية. لكن الاتفاقيات التجارية ليست شرطاً لازماً ولا كافياً لتحقيق التعاون.

والصفقة الشهيرة للغواصات والتكنولوجيا بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة «أوكوس»، التي تم الإعلان عنها بضجة كبرى عام 2021، لم يكن لها أدنى صلة بالتجارة.

غريزة البيروقراطيين وخبراء القانون الدولي العام تتجه نحو تكييف الترتيبات متعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية، أو استبدالها بأخرى، منجذبين إلى أطر قانونية شاملة كما تنجذب الكائنات الحية لموارد المياه. غير أن هذه الاستجابة الغريزية غير مناسبة لسببين رئيسيين.

أولهما يكمن في غياب الإجماع اللازم ﻹبرام اتفاقيات جوهرية عبر المؤسسات متعددة الأطراف.

فبعض الحكومات تسعى جاهدة، على سبيل المثال، لوضع اتفاقية متعددة الأطراف بشأن تجارة البيانات والرقميات تحت مظلة منظمة التجارة العالمية، متجاوزة الهند التي دأبت على عرقلة مثل هذه المساعي.

لكن حتى إن نجحت هذه الحكومات، فإن هذه الاتفاقيات لا تتضمن التزامات قوية وكافية للسيطرة على تنظيم شبكة الإنترنت المتنامية أو توجيهها.

والسبب الثاني، هو أن الاتفاقيات التجارية التفضيلية التقليدية لا تتناول بشكل كافٍ القضايا الجوهرية المتعلقة بسلاسل القيمة ذات الطابع الجيوسياسي.

فالاتفاقيات التفضيلية للتجارة في أوقات السلم، وتعتمد على التعريفات الجمركية وحقوق الملكية الفكرية وما شابه.

بالتالي فهي لا تجدي نفعاً في الحروب التجارية، ولم تمنع الصين من استخدام ترسانة واسعة من الأدوات لترسيخ هيمنتها الاستراتيجية.

وفي المحصلة، فإن الغالبية العظمى من التجارة الفعلية للسلع ستستمر على الأرجح دون انقطاع، والاتفاقيات التجارية المبرمة ستسهل حركة هذه التجارة على الهامش فحسب، لكنها لن تعالج الاختناقات ونقاط الضعف.

وفي هذا السياق، يسعى الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة للتفاوض على نوع من آلية للتعاون مع مجموعة دول الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، ولم يسفر هذا السعي حتى الآن سوى عن بيان متواضع وباهت خرج به اجتماع وزراء منظمة التجارة العالمية في مارس الماضي.

وحتى الآن، لم يحقق سوى اتفاق شكلي في اجتماع وزراء منظمة التجارة العالمية في مارس.

لكن الطموح الأكبر، الذي يمكن اعتباره واقعياً إلى حد ما، هو توحيد قواعد المنشأ لتسهيل بناء سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا، متجاوزة الصين.

حتى لو حصلوا على ذلك، فماذا في ذلك؟ إن احتمال أن يضعف هذا بشكل كبير شبكات الإنتاج الصينية منخفضة التكلفة ضئيل للغاية.

ولن يهدد النفوذ الذي تشكله سيطرة الصين على بعض المعادن الحيوية، خصوصاً العناصر الأرضية النادرة، وهيمنتها على التقنيات ذات الأهمية الاستراتيجية.

ولتتمكن القوى المتوسطة أو أي طرف آخر من تحدي مصادر النفوذ الصيني، فإنها ستحتاج إلى اتفاقيات إنتاج وتوزيع وتبادل أكثر تحديداً وتخصصاً، لكنها في الوقت نفسه أعمق بكثير في تفاصيلها، وهذه هي الثغرة التي يفترض أن تسدها تحالفات القوى المتوسطة التي تحدث عنها كارني.

غير أنه على أرض الواقع، نجد أن العديد من القوى متوسطة الحجم، مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا، وربما البرازيل وغيرها الكثير، تدور في الفلك الاقتصادي الصيني أو تتوجس خيفة من حكومات الدول المتقدمة، ما يجعلها عاجزة عن صياغة تحالفات قوية لا يمكن لبكين تفكيكها بالتهديد أو الإغراءات الاقتصادية.

في وقت سابق من هذا الأسبوع، أشرت إلى مبادرة شراكات التكنولوجيا النظيفة وخطتها لزيادة إنتاج الاتحاد الأوروبي للتكنولوجيا الخضراء ذات الأهمية الاستراتيجية من خلال اتفاقيات مع دول أخرى.

واللافت أنها تقترح مجموعة أدوات مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تتجاوز بكثير الاتفاقيات التجارية التقليدية، بما في ذلك اتفاقيات التوريد، وحصص الملكية، والمشاريع المشتركة.

ومن اللافت أيضاً أن معظم الشركاء المقترحين: اليابان، وكوريا الجنوبية، وكندا، وأستراليا، هي دول ديمقراطية غنية متوافقة في التوجهات، وترتبط بالفعل بتحالفات استراتيجية واسعة مع أوروبا.

وقد يرى المتشككون في مثالية العمل متعدد الأطراف أن هذا لا يمثل قطيعة تامة مع النظام السابق بقدر ما يبدو، فالإصدار السابق لمنظمة التجارة العالمية كان في الأساس نادياً مغلقاً للاقتصادات المتقدمة ذات التوجهات المتطابقة، والتي ربطت بينها سياسات الحرب الباردة، وما إن تأسست المنظمة رسمياً عام 1995 وبدأت تأخذ مصالح الدول النامية على محمل الجد، حتى أصيبت آليات التفاوض بالشلل والجمود.

لذلك، فإن الحديث عن نظام عالمي جديد هو أمر مضلل بحد ذاته، إذ لن يكون هناك إطار قانوني أو منظومة حوكمة شاملة في المجالات ذات الحساسية الجيوسياسية، بل سنشهد بدلاً من ذلك تحالفات بناءً على المصالح، أو اتفاقيات ثنائية مخصصة تميل بطبيعتها نحو الدول الصديقة سياسياً.

وهو طرح قد لا يبدو ملهماً، ولكنه بلا شك أكثر واقعية من الاعتقاد بأن خوض معركة حامية حول منتجات استراتيجية بسلاح الاتفاقيات التجارية التقليدية سينتهي بغير الهزيمة النكراء.