هل ينجح الذكاء الاصطناعي في إزالة «الوحل الإداري»؟

جيليان تيت

لماذا يتبنى هذا العدد الكبير من الناس في أمريكا وأماكن أخرى موقفاً سلبياً للغاية تجاه الذكاء الاصطناعي؟ لأسباب كثيرة، منها الرعب من النفوذ المفرط لشركات التكنولوجيا، والمخاوف من خسارة الوظائف عما قريب، والقلق بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحة النفسية والطاقة والبيئة، ثم هناك مسألة عملية.

فبينما يمكن للذكاء الاصطناعي نظرياً أن يصنع المعجزات في علوم الحياة على سبيل المثال لم يرَ سوى قلة من الناس حتى الآن تحسناً ملموساً في حياتهم الخاصة، ولا تزال صيغة «الكل رابح» من الذكاء الاصطناعي لا تزال بعيدة المنال.

ويحاول التقنيون والحكومات الآن معالجة مشكلة العلاقات العامة هذه، ففي المملكة المتحدة، على سبيل المثال، أخبرني دوج جور، الرئيس السابق لمعهد آلان تورينج، أن مكتب الأرصاد الجوية يحدث ثورة في توقعات الفيضانات باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأن متحف التاريخ الطبيعي أصبح بإمكانه الآن التعرف على عظام الديناصورات بسرعة تفوق السرعة السابقة بـ 30 ألف مرة.

لقد تم تحسين «حديقة الديناصورات» إلى الحد الأقصى! لكن قطاع التمويل قد يقدم قريباً صيغة أخرى مربحة للجميع، وكما قال مايكل هسو، الذي كان يشغل سابقاً منصب أحد كبار منظمي البنوك في أمريكا، لمبادرة كامبريدج للابتكار والتنظيم الرقمي.

والتي أشارك في تنظيمها، إن الذكاء الاصطناعي يمكنه أيضاً تقليص الروتين، وإذا حدث ذلك فلن يقتصر النفع على المنظمين والمصرفيين المرهقين فحسب، بل سيمتد إلى مستهلكي الخدمات المالية أيضاً.

والقضية الرئيسية هنا هي ما يسميه الخبير الاقتصاد السلوكي، كاس سونستين، بـ«الوحل»، وهو حقيقة أن الحياة في القرن الحادي والعشرين أصبحت محاصرة بالروتين، ما يخلق «احتكاكات مفرطة أو غير مبررة، مثل أعباء المعاملات الورقية التي تهدر الوقت أو المال»، ففي عام 2015 وحده أمضى الأمريكيون 9.78 مليارات ساعة في إنجاز المعاملات الورقية الفيدرالية.

إن المشكلة متعددة الأوجه؛ فهناك «الروتين الرأسي»، حيث تصبح القوانين الصادرة من أعلى لأسفل معقدة بشكل متزايد عند تحويلها إلى قواعد عمل عملية.

وهناك أيضاً «الوحل الأفقي»، حيث يضع المنظمون في القطاعات المتجاورة قواعد متداخلة، فضلاً عن «وحل الوقت»، عندما تتراكم القواعد الجديدة فوق القديمة.

والآن نواجه «الوحل الجيوسياسي»، فالنزاعات والحماية التجارية المتصاعدة تعني أن الجهات المنظمة الوطنية أصبحت أقل حماساً لتنسيق القوانين.

ويكفي أن ننظر إلى ما أحدثته «بريكست»، أو كيف يرفض المنظمون الأمريكيون قواعد «بازل» المصرفية الجديدة، لكن هذا هو السبب تحديداً، الذي يجعل الذكاء الاصطناعي قادراً على المساعدة.

وقد دخلت جامعة ستانفورد بالفعل في شراكة مع قادة مدينة سان فرانسيسكو لتجربة هذه الفكرة، حيث درس فريق مؤخراً قواعد البلدية (التي يبلغ مجموع كلماتها 16 مليون كلمة)، ثم ركز على حالات التكرار، ونتيجة لذلك الفحص ألغى المشرعون ودمجوا 36% من هذه القواعد، نعم هذا حدث بالفعل.

وقال ديفيد تشيو، محامي المدينة، إنه «بسبب طول مدونتنا القانونية كان من المرجح ألا نخوض هذا المشروع أبداً من دون الذكاء الاصطناعي».

إذاً هل يمكن لعملية تفكيك الروتين هذه أن تنجح؟ للأسف، لن يكون الأمر سهلاً. تكمن إحدى المشكلات في أن نماذج اللغات الكبيرة تعد أفضل في التعامل مع النصوص الحوارية أو الأدبية مقارنة باللغة القانونية المعقدة، والمشكلة الثانية هي ضعف مهارات الموظفين والمسؤولين في التعامل مع الذكاء الاصطناعي.

بينما تتمثل العقبة الثالثة في خطر أن تصاب الآلات بالهلوسة في غياب العنصر البشري، أو أن تفرض معايير موحدة مفرطة الجمود، لكن المشكلات الفنية يتم حلها الآن عبر ابتكارات جديدة.

ويقول هسو، إن الأدوات القانونية الجديدة مثل «هارفي» و«آيرس» و«كوكاونسل» و«نورم إيه آي» و«كيمي» تفوق في أدائها المنصات العامة مثل «كلود» و«تشات جي بي تي»، في المهام التنظيمية.

كما بدأ المنظمون في توظيف كوادر تمتلك مهارات الذكاء الاصطناعي، متعهدين بالحفاظ على الرقابة البشرية البالغة الأهمية، فهل يؤدي ذلك إلى تقليص القواعد المالية بمقدار الثلث، كما حدث في سان فرانسيسكو؟

يبدو هذا حلماً طموحاً، لكن أي تقليص سيكون مفيداً، لذا، دعونا نرفع القبعة ثلاثاً للروبوتات التي تقيد الروتين، فربما تجعل الأسواق أكثر كفاءة، وقد تشجع البشر الباحثين عن جني المال على أن يكونوا أكثر تفاؤلاً بقليل تجاه الذكاء الاصطناعي أيضاً.