مارتن ساندبو
لا يمكن إنكار الواقع؛ أوروبا تعيش حالة ذعر من الصين. ويبدو أن برلين بدأت تتبنى تدريجياً وجهة النظر القائلة إن هناك «صدمة صينية ثانية» أوشكت على تدمير صناعاتها.
وفي وقت سابق من هذا العام، أصدرت سلطات التخطيط الاقتصادي في فرنسا تقريراً ينطوي على نبرة تحذيرية، ويستند إلى إسقاطات مستقبلية لمعدلات نمو الحصة السوقية للصين، داعياً إلى فرض رسوم جمركية شاملة أو خفض قيمة اليورو مقابل الرينمينبي بنسبة تصل إلى 30 %.
وكدليل يرسخ هذا المخاوف، تواجه شركة «فولكس فاجن» احتمالات لتقليص نحو 100 ألف وظيفة وإغلاق أربعة من مصانعها في ألمانيا.
ويشكل هذا المشهد الخلفية التي تنطلق منها الجهود السياسية المكثفة والدؤوبة التي تبذلها المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لصياغة استراتيجية جديدة تجاه الصين.
غير أن الهلع لا يمهد أبداً لطريق النجاح، لذا يأتي هذا المقال كدعوة للجميع لالتقاط الأنفاس والنظر بعين فاحصة إلى بعض الحقائق.
يقال غالباً إنّ القضايا المعقدة تقود إلى قوانين سيئة، والشيء نفسه ينطبق على السياسات، التي يمكن أن تسفر عن توجهات خاطئة. ومن المغري بطبيعة الحال اتخاذ أنباء «فولكس فاجن» كصورة تعكس واقع الصناعة في ألمانيا وأوروبا بشكل عام، لكن هذا المنحى لا يخلو من سوء التقدير.
وكما أشرت في مقال سابق حول هذا الموضوع في يونيو، فإن القادة الأوروبيين يواجهون خطر مطاردة تهديد صيني وهمي لا وجود له.
وهناك تعبير بسيط يلخص الإحباط الحالي لقادة الاتحاد الأوروبي تجاه الصين مفاده «أننا نشتري منهم أكثر فأكثر، وهم لا يشترون منا شيئاً». وكنت قد أوضحت الخلل في هذه الحجة؛ فعندما يتعلق الأمر بقطاع السيارات، وهو الصناعة الرمزية التي غالباً ما يتم الاستشهاد بمعاناتها كدليل على وجود تحدٍ عام.
وتشير بيانات اتحاد المصنعين إلى أن واردات اﻻتحاد اﻷوروبي من السيارات الصينية ارتفعت بالفعل من 750 ألف سيارة ركاب في 2023 إلى ما يزيد قليلاً على مليون سيارة في 2025. غير أن هذا الارتفاع حل محل واردات كانت تأتي من مناطق أخرى، في حين ظل إجمالي عدد السيارات المشحونة إلى الاتحاد الأوروبي ثابتاً دون تغيير.
بعبارة أخرى، فإن السيارات الصينية المستوردة تتفوق في المنافسة على السيارات الأخرى القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي، وليس على شركات صناعة السيارات التابعة للمجلس الأوروبي نفسه. وقد اتضح أن هذا الأمر ينطبق على نطاق واسع عبر اقتصاد الاتحاد الأوروبي ككل.
ونشرت شركة الأبحاث والتحليلات «جافيكال» على مدار العام الماضي سلسلة مذكرات بحثية لافتة حول العلاقات الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والصين، والتي قدمت تصحيحاً للمقاربات السائدة.
ومن أمثلة ذلك أن واردات الاتحاد الأوروبي من السلع الإجمالية من الصين سجلت قفزة كبيرة، لكن بالمقابل تراجعت الواردات الأخرى لتعوض هذا الارتفاع.
وكما أفاد سيدريك جيميل، المحلل لدى «جافيكال»، فإن وضع حجم واردات الاتحاد الأوروبي المتزايد من الصين في سياقه الصحيح، يظهر زيادة بنسبة 42 % منذ ديسمبر 2019، مقارنة بزيادة لم تتجاوز 4 % فقط في إجمالي حجم واردات الاتحاد الأوروبي على مدار تلك الفترة الممتدة لخمس سنوات.
وبدلاً من فكرة التدفق غير المستدام للواردات الذي يقوض الصناعة الأوروبية، فإن الواقع أنه بينما يتدفق المزيد من الصين إلى الاتحاد الأوروبي، هناك تراجع في الحصص الواردة من شركاء تجاريين تقليديين آخرين، خصوصاً المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فضلاً عن عدم قدرة سويسرا واليابان على مواكبة الوتيرة.
ويسلط تقرير «جافيكال» الضوء على حقيقتين مهمتين إضافيتين؛ الأولى تتمثل في أن الزيادة الطفيفة في إجمالي أحجام الواردات تبقي حصة واردات الاتحاد الأوروبي إلى الناتج المحلي الإجمالي عند المستويات ذاتها التي كانت عليها قبل جائحة «كوفيد 19». وبعبارة أخرى، لا يوجد أي تهديد متزايد وشامل يتربص بالسوق المحلية للمنتجين الأوروبيين.
أما فيما يتعلق بأسواق التصدير، فإن صادرات الاتحاد الأوروبي ما زالت صامدة بشكل جيد؛ بل إن الفائض التجاري الإجمالي للتكتل يبدو قوياً بمجرد تجاوز التقلبات الكبيرة التي شهدتها تجارة الطاقة خلال العقد الجاري. وقد سجل الفائض التجاري للاتحاد الأوروبي خارج نطاق الصين وتجارة الطاقة ارتفاعاً ملحوظاً.
علاوة على ذلك، يتمتع المصدرون الأوروبيون بقدرة قوية على التحكم في الأسعار، فبينما تبدو أحجام الصادرات مستقرة، تواصل متوسطات أسعار السلع المصدرة ارتفاعها المستمر وفقاً للأبحاث.
ولا تعكس هذه المؤشرات بأي حال من الأحوال صورة لنظام بيئي صناعي أوروبي يواجه أزمة تنافسية قاتلة، بل تشير بوضوح إلى قطاع يتعامل مع تحديات تنافسية متغيره تفرض عليه تحديث أدواته تكنولوجياً وهيكلياً، وينجح في الوقت نفسه في التحول نحو الإنتاج ذي القيمة المضافة العالية.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الأنماط العامة تظهر بوضوح حتى في القطاع الذي يثير نقاشات سياسية أكثر من غيره، وهو قطاع المركبات الكهربائية.
حيث يفيد تقرير «جافيكال» أنه على عكس العناوين الإعلامية المتداولة، فإن الاتحاد الأوروبي يعد مصدراً صافياً متنامياً للمركبات الكهربائية؛ إذ يمثل التكتل مستورداً ومصدراً رئيساً في الوقت نفسه. وتشير أحدث البيانات إلى أنه يصدر حالياً سيارات أكثر مما يستورد، وذلك للمرة الأولى منذ أن بدأت تجارة السيارات الكهربائية في التوسع.
وكما هو الحال مع السلع الأخرى، يصدر الاتحاد الأوروبي منتجات مرتفعة الثمن ويستورد منتجات أرخص؛ فرغم التوازن الواضح في أحجام تجارة السيارات الكهربائية من حيث العدد، فإن توزيع القيمة المالية ليس متوازناً، إذ يقترب متوسط سعر السيارة الكهربائية المصدرة من الاتحاد الأوروبي من ضعف سعر السيارة المستوردة، وهي نسبة فارقة ظلت مستقرة مع توسع حركة التجارة.
قد تكون شركة «فولكس فاجن» في مأزق، وربما تواجه ألمانيا نفسها مشكلة تنبع من أسباب محلية عدة، ولكن لا ينبغي صياغة الاستراتيجيات الأوروبية بناءً على الهلع الناجم عن حالات فردية؛ فألمانيا أكبر من «فولكس فاجن»، وأوروبا بكل تأكيد أكبر من ألمانيا، وعلى السياسات أن توضع بناء من هذا المنطلق.