هل اليابان وجهة مثالية للهروب من الفوضى؟

ليو لويس
رئيس مكتب صحيفة «فايننشال تايمز» في طوكيو

قد تكون «الشنتوية والساشيمي وتقاطع شيبويا وفنون «الشونغا اليابانية التقليدية» عناصر جذابة بلا شك، لكن بات من الصعب تجاهل حقيقة أن ما يدفع كثيراً من السياح إلى قطع آلاف الكيلومترات لزيارة اليابان هو متعة العيش، ولو مؤقتاً، في مجتمع يعمل بكفاءة وانتظام.

فالعطلات في جوهرها هروب من الواقع، وفي عالم يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم، تبدو الحياة المنظمة كأنها شكل من أشكال الحرية.

وهناك اليوم، بين مختلف الأجيال، جاذبية حقيقية لفكرة اللجوء إلى مكان يوفر ملاذاً من الفوضى، سواء كانت فوضى ملموسة أو معنوية، لكن هل تقدم اليابان جرعة زائدة من هذا الأمر الجيد؟

لطالما أحبت اليابان أن تقدم نفسها باعتبارها النقيض الكامل للفوضى والاضطراب.

فعلى المستوى الظاهري، وحتى في تفاصيل أعمق بكثير، تسير الأمور كما ينبغي؛ كل شيء يعمل في موعده، والخدمات تبدو صادقة وبعيدة عن الانتهازية، والمكان بأكمله يوحي بالنظافة والأمان.

وهذه السمات ليست مصادفة، بل ثمرة جهد اجتماعي متواصل للحفاظ عليها. وبالنسبة لمن لا يعيشون في بيئة مشابهة، فإن هذا المستوى من الكفاءة يكاد يبدو أشبه بعالم خيالي ساحر.

ومن السهل فهم شعور اليابان بالرضا عن خياراتها بوصفها وجهة عالمية للهروب من الفوضى.

فقد ارتفع عدد الزوار الأجانب من أقل من 4 ملايين سنوياً في منتصف التسعينيات إلى ما يقرب من 20 مليوناً قبل عقد من الزمن، ثم تجاوز 40 مليون زائر في عام 2025، ولم يكن ضعف الين سوى عامل مساعد جزئي في هذا النمو.

وتُظهر الاستطلاعات أن 96 % من السياح الذين زاروا اليابان العام الماضي غادروها وهم «راضون» أو «راضون جداً» عن تجربتهم.

لكن ما الذي نال إعجابهم تحديداً؟

أظهر استطلاع سنوي أجرته حكومة طوكيو، المدينة التي يمر عبرها أكثر من نصف زوار اليابان، أن أكثر ثلاثة عوامل جذبت الأجانب إلى العاصمة في عام 2025 كانت: «لطف السكان»، و«النظافة»، و«الأمان».

أما الثقافة الشعبية اليابانية، التي كثيراً ما تقدم باعتبارها إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة للبلاد، فقد جاءت في المرتبة الثانية عشرة فقط، وهو ترتيب قد يبدو مخيباً للآمال. غير أن هذا النجاح لم يأتِ من دون ثمن.

ففي استطلاعات السعادة والرضا عن الحياة والتفاؤل بالمستقبل، يظهر اليابانيون أقل سعادة من شعوب كثير من الدول الأكثر فوضوية، وهي الدول نفسها التي يأتي مواطنوها إلى اليابان للاستمتاع بنظامها وانضباطها.

إن السعي المستمر إلى نظام مستدام ذاتياً له آثاره الجانبية. وفي المجالات التي ينجح فيها هذا النهج، مثل انخفاض معدلات الجريمة، فهو يستحق الإشادة بالطبع.

أما عندما يذهب بعيداً أكثر من اللازم، كما في معدلات الإدانة القضائية المرتفعة بشكل استثنائي أو بعض حالات الظلم القضائي الصادمة، فإنه يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الرغبة في النظام قد تجاوزت حدودها المعقولة.

وتأثير النفور من الفوضى له انعكاس أعمق، ففي قطاع الأعمال يتجسد هذا النفور في الحذر المفرط من المخاطر، ورفض شبه غريزي للتغيير الجذري، وتحفظ تجاه ما يعرف بـ«التدمير الخلاق» الذي يطيح بالنماذج القديمة ليفسح المجال أمام الابتكار. وهذه العوامل الثلاثة تعد من أبرز معوقات الابتكار.

وشبح البطالة واسعة النطاق، من منظور الحفاظ على الاستقرار، يعد كابوساً وطنياً، ما جعل الشركات تتحمل بصورة غير معلنة مسؤولية تجنب هذا السيناريو.

وعلى مستوى الشركات الناشئة، يفضل رأس المال الاستثماري الياباني الابتعاد عن مخاطر الفشل، متجنباً معادلة «النجاحات القليلة مقابل الإخفاقات الكثيرة» التي يقوم عليها عالم رأس المال المخاطر.

أما في الشركات الكبرى، فقد أدى النفور من التعقيدات والفوضى المصاحبة لعمليات الاندماج والاستحواذ إلى تأخير خطير في بناء شركات وطنية عملاقة قادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأحجام الكبيرة ميزة استراتيجية متزايدة الأهمية.

سياسياً أسهمت الرغبة في تجنب الفوضى في ترسيخ عقود مما يسميه المفكر الياباني يويتشي فوناباشي «الشعبوية المطمئنة»، أي الميل إلى تهذيب النقاش العام وتجنب القضايا التي قد تفضي إلى صدامات أيديولوجية حادة أو جدالات سياسية معقدة.

رغم ذلك فإن الدعوة إلى قدر من الفوضى التصحيحية في اليابان لا تعني التمني بانتشار الاضطراب فيها أو في أي مكان آخر. فذلك سيكون ضرباً من العبث.

في المقابل هناك دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا سمحت للفوضى بأن تتجاوز الحدود المعقولة، وأعطت قيمة مفرطة لفكرة التغيير الجذري و«التدمير الخلاق» إلى درجة أصبح معها هذا النهج مدمراً ومربكاً من دون نتائج تعوض كلفته.

وكما يسعى محافظو البنوك المركزية إلى تحقيق معدل تضخم مثالي، أو كما يتغاضى حكام كرة القدم عن بعض المخالفات البسيطة للحفاظ على انسيابية اللعب، فلا بد نظرياً من وجود «منطقة توازن مثالية للفوضى»، بمستوى معتدل، يسمح لدولة بحجم اليابان وأهميتها الصناعية بأن تبقى آمنة ونظيفة ولطيفة، وفي الوقت نفسه مبتكرة وجريئة وقادرة على تحمل المخاطر.

وربما لا يكون من قبيل الصدفة أن عقود الانكماش الاقتصادي في اليابان ترافقت مع نزعة متزايدة إلى تجنب كل أشكال الفوضى والمخاطرة.

أما اليوم، ومع عودة التضخم، فقد بدأت سلبيات هذا النهج المحافظ بالظهور. لقد حان الوقت، ربما، لأن تسمح اليابان لنفسها بقدر بسيط من «تضخم الفوضى».