ريادة «مايكروسوفت» في الذكاء الاصطناعي تتحول لاختبار ثقة

ريتشارد ووترز
هل تتذكرون عندما كانت «مايكروسوفت» تتصدر موجة الذكاء الاصطناعي؟ قبل عامين فقط، كان ينظر إلى شراكتها الوثيقة مع «أوبن إيه آي» على أنها منحتها الوضع المثالي، مقارنة بشركات التكنولوجيا الأخرى، للاستفادة من الذكاء الاصطناعي.

أما اليوم، فقد تبدو الصورة مختلفة تماماً، وليس فقط لأن روابطها مع «أوبن إيه آي» أصبحت أقل متانة.

فقد تراجع سهم مايكروسوفت بنحو 18 % خلال العامين الماضيين، رغم ازدهار الذكاء الاصطناعي الذي دفع السوق الأوسع للارتفاع بنحو الثلث. كما هبط مضاعف السعر إلى الأرباح لديها إلى 22 مرة فقط، وهو أدنى مستوى له منذ سنوات.

وهناك أيضاً مفارقة في المأزق الذي تواجهه «مايكروسوفت»، إذ يبدو وكأن ثورة الذكاء الاصطناعي تلتهم بعض أبرز المستفيدين الأوائل منها. فقد أدى توفير البنية الحاسوبية اللازمة لتشغيل «تشات جي بي تي» لدفع الشركة إلى مقدمة مشهد الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لكن مع بدء الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل صناعة البرمجيات، تزايدت التساؤلات بشأن حجم النمو الذي ستحققه «مايكروسوفت» من الجيل الجديد من التطبيقات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وكذلك بشأن التكلفة اللازمة لتقديم هذه الخدمات.

أما الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن تجاهلها وسط هذه التحولات فهي أن الإنفاق الرأسمالي للشركة شهد قفزة هائلة، إذ ارتفع من 12 % من الإيرادات في عام 2022 إلى نحو 50 % هذا العام.

وإلى جانب القلق العام، برزت مخاوف تتعلق بالتنفيذ بشكل أكثر تحديداً. فقد كان تبني «كوبايلوت»، مساعد الذكاء الاصطناعي الذي طورته «مايكروسوفت» لتعزيز إنتاجية الموظفين، أبطأ من المتوقع.

كما أثار انتقال الشركة من الاعتماد على نماذج «أوبن إيه آي» إلى تطوير المزيد من نماذجها الخاصة مخاوف المستثمرين بشأن التكاليف، فضلاً عن التساؤلات حول قدرة هذه النماذج على المنافسة.

في الوقت نفسه، بدأت مختبرات الذكاء الاصطناعي بالتوغل في أسواق الشركة. فقد كانت منصة «جيت هب» التابعة لـ«مايكروسوفت» سباقة في توظيف الذكاء الاصطناعي في البرمجة، لكن وكلاء البرمجة الذين طورتهم «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» خطفوا الأضواء لاحقاً.

كما أن خدمة «كوورك» من «أنثروبيك»، وهي من أوائل جيل جديد من الوكلاء الأذكياء المصممين لتنفيذ المهام المكتبية الروتينية، تعد من نوعية الخدمات التي كان من المتوقع صدورها من «مايكروسوفت» نفسها.

ويكمن جوهر المسألة في أن الذكاء الاصطناعي يتيح أنماطاً جديدة من البرمجيات، غالباً ما تدعمها نماذج أعمال جديدة، ما يفتح السوق أمام منافسين يأتون من اتجاهات غير تقليدية.

وأوضح الرئيس التنفيذي لـ«مايكروسوفت»، ساتيا ناديلا، تداعيات ذلك في مقال نشره الشهر الماضي.

وقال: إن التطبيقات المدعومة بالذكاء الاصطناعي تختلف جذرياً عن البرمجيات التقليدية. فبدلاً من أن تكون أدوات ثابتة يستخدمها الموظفون، يمكنها أن تتطور وتصبح أكثر فائدة كلما استوعبت ما وصفه بـ«سير العمل والمعرفة المتخصصة والخبرة التراكمية» لدى العاملين داخل المؤسسة.

وأضاف أن تحقيق أقصى استفادة من هذه البرمجيات سيتطلب تدريب نماذج ذكاء اصطناعي داخلية، ثم إنشاء «حلقة تعلم» مستمرة لتحسين أداء الموظفين بشكل دائم.

بعبارة أخرى، ينشأ هنا مستوى جديد من البرمجيات يتولى تنسيق مخرجات النماذج والموظفين معاً لتحسين النتائج. وليس مستغرباً أن تسعى شركات أخرى، بما في ذلك مختبرات الذكاء الاصطناعي، إلى السيطرة على هذه المساحة الجديدة.

غير أن الحاجة إلى تكييف العمليات مع هذا النوع الجديد من البرمجيات ستجعل بيعها وتطبيقها أكثر تعقيداً.

ولهذا أعلنت «مايكروسوفت» الأسبوع الماضي إنشاء وحدة أعمال داخلية متخصصة لهذا الغرض، مع خطة لإيفاد 6000 آلاف مهندس للعمل داخل مقار عملائها ومساعدتهم على تطبيق هذه التقنيات.

وليست «مايكروسوفت» وحدها التي تدرك هذه الحاجة. فقبل أيام قليلة، أعلنت «أمازون ويب سيرفيسز» خططاً لتشكيل جيش من المهندسين الذين يعرفون في قطاع التكنولوجيا باسم «المهندسين المنتشرين ميدانياً».

كما عقدت «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تحالفات مع شركات استثمار مباشر بهدف تعميق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل عالم الأعمال.

وفي المقابل، وجه ناديلا تحذيراً لعملاء «مايكروسوفت». فبحسب رأيه، إذا لم تتعلم الشركات كيفية تدريب نماذجها الخاصة لتحسين عملياتها الداخلية، فإن النماذج العامة التي تطورها مختبرات الذكاء الاصطناعي ستتولى هذه المهمة.

وقال إن النتيجة ستكون «عالماً تتنازل فيه كل شركة في كل قطاع عن جزء من قيمتها لصالح عدد محدود من النماذج التي تلتهم كل ما تراه أمامها».

ومن الواضح أن في هذا الطرح جانباً من المصلحة الذاتية، إذ يقدم ناديلا «مايكروسوفت» باعتبارها الحل للمشكلة التي يشخصها. لكن كلماته تحمل أيضاً تحذيراً لشركته نفسها؛ فإذا انتصرت النماذج العامة للذكاء الاصطناعي، فقد يتعرض نموذج أعمال «مايكروسوفت» للتآكل من الداخل.

وتمتلك «مايكروسوفت» بالفعل كثيراً من المكونات التقنية اللازمة لتحقيق رؤية ناديلا.

وعندما تعلن نتائجها المالية هذا الشهر، ستترقب وول ستريت مؤشرات إضافية على تسارع النمو الذي سجلته الشركة في الربع السابق. لكن الأمر سيتطلب جهداً كبيراً قبل أن تتضح العوائد الكاملة لاستثماراتها الضخمة في الذكاء الاصطناعي.