المسار التصاعدي غير المستدام للديون البريطانية

ديفيد مايلز *

* عضو لجنة مسؤولية الموازنة في مكتب مسؤولية الموازنة البريطاني (OBR) وأستاذ في إمبريال كوليدج

قبل جيل واحد فقط، كانت ديون الحكومة البريطانية تعادل نحو 30 % من الناتج المحلي الإجمالي. أما اليوم، فقد اقتربت من 100 %.

وتشير تحليلات مكتب مسؤولية الموازنة إلى أن الضغوط المتوقعة على الإنفاق العام خلال العقود المقبلة، إذا ارتفع الإنفاق وظل النظام الضريبي على حاله تقريباً، قد تدفع الدين العام إلى نحو 150 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال جيل آخر.

ليس هذا فحسب، بل قد يستمر الدين في الارتفاع بوتيرة متسارعة على نحو يصبح غير قابل للاستمرار. وإذا ترك هذا المسار دون تصحيح، فمن المرجح أن تضطر الحكومة مستقبلاً إلى تنفيذ تشديد مالي حاد للغاية.

وليس من الصعب تفسير كيف ارتفعت نسبة الدين من 30 % إلى نحو 100 %. فقد أسهمت سلسلة من الصدمات، مثل الأزمة المالية العالمية وتداعياتها، وجائحة كوفيد19، وارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحروب في مناطق أخرى، في هذا الارتفاع. كما فاقم آثار هذه الصدمات في ضعف نمو الإنتاجية وتراجع الدخل. وقد واجهت الحكومات صعوبة في كبح نمو الدين، ويبدو أن هذا التحدي سيستمر.

وينصب جانب كبير من النقاش في المملكة المتحدة حاليا على التدابير الضريبية والإنفاق المطلوب للالتزام بالقواعد المالية، وفقا لمستويات الدين والعجز المتوقعة خلال السنوات القليلة المقبلة. لكن ما ينتظر البلاد على مدار العقود المقبلة، وليس السنوات فقط، لا يقل أهمية، خصوصا في ظل ارتفاع مستويات الدين بالفعل.

وفي إطار مجموعة سيناريوهات محتملة، تتراوح بين الافتراضات المتفائلة، أو الأقل تفاؤلاً، بشأن الاقتصاد والتركيبة السكانية وضغوط الإنفاق، قمنا في مكتب مسؤولية الموازنة بتقييم الكيفية التي يمكن أن يتطور بها الوضع المالي خلال الخمسين عاماً المقبلة.

وأظهرت النتائج أنه ستكون هناك حاجة لإجراء تغييرات جوهرية في الإنفاق والضرائب على المدى الطويل. لأنه في حالة غياب تشديد مالي إضافي، فمن المرجح أن يسلك الدين مساراً تصاعدياً غير مستدام.

ومن شأن ارتفاع نمو الإنتاجية، وتحسن صحة السكان، وزيادة سنوات العمل أن يخفف حدة المشكلة. لكن الطلب المتزايد على الخدمات العامة، إلى جانب تراجع بعض الإيرادات الضريبية، يولد ضغوطا مالية كبيرة. وربما لا تظهر هذه الضغوط المالية بوضوح إلا بعد مرور عقود عدة.

السيناريو الأساسي لمكتب مسؤولية الموازنة، يفترض أنه في حالة قيام الحكومة بتنفيذ خطة ضبط للمالية العامة الحالية، وعدم وقوع صدمات كبيرة جديدة، فقد لا يرتفع الدين كثيراً خلال السنوات العشر المقبلة أو أكثر.

لكنه سيكون أعلى بكثير كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بعد عشرين عاماً. وعندها يبدو أنه سيدخل مسارا تصاعديا غير مستدام.

بعض السيناريوهات البديلة المعقولة أسوأ من ذلك، وبعضها أفضل، إلا أن ارتفاع الدين إلى مستويات غير مستدامة يظهر في معظم السيناريوهات.

وفي مرحلة ما، لا بد من إعادة التوازن بين الإنفاق والإيرادات الضريبية. فبدون إجراء تعديلات، فمن المرجح أن يصل الدين إلى مستويات تجعل من الصعب تمويله عبر إصدار ديون جديدة بالوتيرة اللازمة لاستمراره.

وإذا حدث ذلك، فإن مزيجاً من تخفيضات الإنفاق وزيادات الضرائب المطلوبة حينها سيكون مؤلماً للغاية للحكومة والمواطنين على حد سواء.

رغم ذلك، فإن هذا السيناريو ليس حتمياً. لكن إن لم تتغير السياسات الحالية، فهناك خطر كبير يتمثل في اضطرار البلاد إلى إجراء تصحيح مالي حاد ومفاجئ في المستقبل. وإذا حدث ذلك، فإن الشباب الحاليين، أي الأشخاص الذين ولدوا بالفعل اليوم، هم من سيتحملون العواقب المؤلمة.

وكلما تم التحرك مبكراً لاحتواء هذه المخاطر، قل حجم التعديلات المطلوبة. فمقدار الخفض المطلوب في العجز للإبقاء على الدين عند مستواه الحالي مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي قد يتضاعف إذا تأخر تنفيذه إلى منتصف القرن بدلا من أوائل ثلاثينياته.

لذلك فإن اﻻختلالات المالية غير المستدامة، حتى وإن كانت آثارها لن تظهر إلا بعد سنوات، فهي ليست تحدياً يخص الغد فقط، بل هي قضية يجب التعامل معه اليوم.