سارة أوكونور
من منظور أوسع تبدو كوريا الجنوبية رابحاً واضحاً من صعود الذكاء الاصطناعي، حيث تشهد بعض أكبر شركاتها ازدهاراً ملحوظاً، بفضل الطلب العالمي المتزايد على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات.
وقد تجاوزت القيمة السوقية لشركتي سامسونج للإلكترونيات، وإس كيه هاينكس، وهما من أبرز شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية في كوريا الجنوبية، تريليون دولار، وبفضل النقابات العمالية القوية في هذه الشركات يحصل عمالها على حصة من الأرباح المتزايدة.
في مايو، على سبيل المثال، توصلت سامسونج ونقابتها إلى اتفاقية لتقاسم الأرباح، ويتوقع أن تمنح موظفي قسم رقائق الذاكرة مكافأة متوسطة تقارب 400 ألف دولار، فلا عجب إذاً أن تكون كوريا الجنوبية من الدول الكبرى القليلة، التي يفوق فيها عدد المتفائلين بشأن الذكاء الاصطناعي عدد المتشائمين، وفقاً لاستطلاع رأي، أجراه مركز «بيو» للأبحاث، لكن القصة لا تنتهي هنا، فلطالما عانى الاقتصاد الكوري الجنوبي من انقسامات عميقة بين «المنتمين»، الذين يتمتعون بوظائف مستقرة في شركات كبيرة منتجة، و«الغرباء» الذين يعانون من وظائف غير مستقرة في الشركات الصغيرة والمتوسطة.
ويبدو أن فوائد الذكاء الاصطناعي، حتى الآن، لم تغير هذا الانقسام بل عمقته.
على سبيل المثال لا تعود اتفاقية تقاسم الأرباح مع سامسونج بالفائدة على عمال المقاولين الفرعيين للشركة، الذين يتقاضون عادة أجوراً أقل، ويفتقرون إلى الأمان الوظيفي.
وهناك فئة أخرى من «الغرباء» لم يجدوا بعد موطئ قدم لهم في سوق العمل، فقد كشفت دراسة، أجراها الخبيران الاقتصاديان جينسو هان وساميل أوه من بنك كوريا، استناداً إلى بيانات إدارية، اختفاء 211 ألف وظيفة للشباب، الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، خلال السنوات الثلاث الماضية، بينما زاد توظيف العاملين في الخمسينيات من العمر بمقدار 209 آلاف وظيفة،خلال الفترة نفسها.
وانخفضت نسبة توظيف الشباب بشكل حاد، خصوصاً في القطاعات، التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وذلك بنسبة 11.2% في برمجة الحاسب وتكامل وإدارة الأنظمة، و20.4% في النشر، و8.8% في الخدمات المهنية، و23.8% في خدمات المعلومات.
وخلص الاقتصاديون إلى أن سوق العمل يشهد «تحولاً تكنولوجياً يميل لصالح الأقدمية» لأن الذكاء الاصطناعي «يحل بسهولة أكبر محل المهام، التي يؤديها الموظفون المبتدئون، ويعزز المهام التي تتطلب خبرة ومهارات اجتماعية أو شخصية، وهي أكثر شيوعاً بين الموظفين ذوي الخبرة».
وقد ظهرت بوادر هذا النمط «المتحيز للأقدمية» في الولايات المتحدة أيضاً، خصوصاً في مجال البرمجيات، لكن الاتجاهات في كوريا الجنوبية تبدو أكثر وضوحاً، فهل يعد هذا تحذيراً للاقتصادات الأخرى؟ أعتقد ذلك، لكن من المحتمل أن يكون لهيكل سوق العمل في كوريا الجنوبية، الذي يجمع بين المنتمين والغرباء، دور في ذلك أيضاً.
قالت جييون تشانغ، الباحثة الرئيسية في معهد العمل الكوري، إن «العاملين الحاليين في الشركات الكبيرة يتمتعون بحماية وظيفية قوية، لذا عندما تتكيف الشركات مع التكنولوجيا الجديدة، يقع العبء الأكبر على عاتق الشباب الراغبين في دخول سوق العمل».
وفي الواقع كان الشباب في كوريا الجنوبية يعانون في سوق العمل حتى قبل إطلاق تطبيق تشات جيى بي تي أواخر عام 2022.
وكشف تقرير، أصدرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في ذلك العام أن الشركات الكبيرة، التي كانت تقود عملية إيجاد فرص العمل تتجه حالياً نحو «مزيج يعتمد بشكل أكبر على رأس المال والتكنولوجيا»، وإلى الاعتماد بشكل أكبر على التعهيد الخارجي، والخريجون الذين لم يوفقوا في الحصول على وظائف بالشركات الكبيرة أو القطاع العام يميلون إلى «التنافس على هذه الوظائف بدلاً من سد النقص في العمالة في الشركات الصغيرة والمتوسطة».
في الوقت نفسه الشركات الصغيرة والمتوسطة «عالقة في حلقة مفرغة»، فهي ليست منتجة بما يكفي لتقديم أجور جيدة، وبالتالي غير قادرة على جذب عمالة عالية الكفاءة قادرة على تعزيز الإنتاجية.
الخبر السار لكوريا الجنوبية هو أن الحكومة لديها فائض مالي، بفضل ارتفاع عائدات الضرائب من طفرة صناعة أشباه الموصلات، وهي بصدد وضع خطط لإنشاء «صندوق الاستجابة المستقبلية» للاستثمار في مشاريع ضخمة، ومعالجة عدم المساواة، وتوفير الدعم الوظيفي للشباب في العشرينيات والثلاثينيات من العمر.
ومن الخيارات الواضحة استخدام جزء من هذه الأموال لدعم الشركات في توظيف وتدريب الشباب، حتى وإن لم يكن عملهم غير مربح للشركة على المدى القصير، حتى يكتسبوا مزيداً من الخبرة، ويمكن لسياسة أكثر ابتكاراً أن توفر الأمن والتدريب ورأس المال لـ«الغرباء»، مثل الذين يعملون لحسابهم الخاص.
ألا يمكن لشباب كوريا الجنوبية الملمين بالتكنولوجيا، في ظل الظروف المناسبة، إنشاء شركاتهم الخاصة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لابتكار حلول جديدة؟ هل هناك شركات ناشئة قد تحدث ثورة في الشركات العملاقة التي حرمتها من فرص العمل؟
العصور الجديدة تتطلب مبادئ جديدة، بالنسبة للشباب الذين يكافحون للحصول على وظائف بالطرق التقليدية، قد يكون شعارهم «إن لم تستطع الانضمام إليهم فتغلب عليهم».
