عاش جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أوقاتاً عصيبة في الآونة الأخيرة، حيث واصل دونالد ترامب توجيه سهام نقده إليه لعدم خفض أسعار الفائدة بوتيرة أسرع، واصفاً إياه بـ«الغبي».
وفي تطور لافت، ذكرت وسائل إعلام أمريكية، أن الرئيس قد يعيّن رئيساً جديداً للاحتياطي الفيدرالي قبل وقت طويل من انتهاء ولاية باول في مايو 2026. غير أن البيت الأبيض سارع لاحقاً إلى التوضيح بأنه لا توجد إعلانات «وشيكة» بهذا الشأن، ما أسهم في إخماد موجة بيع للدولار اندلعت إثر هذه التقارير.
وجاءت الشائعات حول منصب باول لتختتم أسبوعاً بدأ بالفعل بضغوط من أعضاء آخرين في لجنة تحديد أسعار الفائدة التابعة للفيدرالي، والذين طالبوا بخفض الفائدة أيضاً.
وإذا كان الرئيس ترامب يسعى حقاً إلى خفض أسعار الفائدة، فإن تدخله المتكرر وأجندته السياسية لا يخدمان هذا الهدف. وعلى سبيل المثال، إذا أعلن الرئيس عن خليفة لجيروم باول قبل انتهاء ولايته، فقد يثير ذلك مخاوف من ظهور ما يمكن اعتباره «رئيس ظل للاحتياطي الفيدرالي»، يبعث بإشارات خارجية حول توجه أكثر تيسيراً في السياسة النقدية.
ومن شأن هذا أن يثير بلبلة في الأسواق المالية ويربك آليات انتقال السياسة النقدية بشكل خطير.
وفي ظل المشهد الراهن، تدفع هذه التصرفات نحو تكهنات واسعة بتخفيف السياسة النقدية، وقد أظهرت تحركات الأسواق الأخيرة أن ذلك يؤدي إلى إضعاف الدولار ويعزز الحجج المؤيدة لرفع أسعار الفائدة هامشياً.
وهناك أيضاً حالة عدم اليقين المباشرة المحيطة بسياسات الرئيس الجمركية، فخلال اجتماعه في منتصف يونيو، ثبّت الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند نطاق 4.25 إلى 4.5 بالمئة، غير أن صناع السياسة النقدية انقسموا بشأن الخطوة التالية التي ينبغي اتخاذها.
وفي تطور لافت، صرح مؤخراً اثنان من المسؤولين عن تحديد أسعار الفائدة - من بينهم كريستوفر والر، المرشح الأبرز لخلافة باول - بأن الاحتياطي الفيدرالي ينبغي عليه النظر في إجراء تخفيضات اعتباراً من الشهر المقبل.
ويستند هذا التوجه إلى حقيقة أن قراءات التضخم الأمريكية لم تشهد سوى ارتفاع طفيف منذ إعلانات الرئيس الجمركية في الثاني من أبريل. وتلقي أسعار الفائدة المرتفعة بظلالها على النمو الاقتصادي، حيث ارتفعت معدلات التعثر في سداد بطاقات الائتمان إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقد، فيما تراجع معدل نمو الأجور السنوي في إعلانات التوظيف إلى أدنى مستوياته خلال السنوات الأربع الماضية.
ويبدو حذر باول منطقياً تماماً في ظل المعطيات الحالية، فقد أظهرت أحدث البيانات أن النمو السنوي في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي - المقياس المفضل للتضخم لدى الاحتياطي الفيدرالي - ارتفع إلى 2.7 بالمئة في مايو، ما يؤكد أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على تأثيرات التعريفات الجمركية في التضخم.
وتكمن المشكلة في أن الشركات الأمريكية ما زالت تستهلك من مخزوناتها المستوردة، والضغوط السعرية الناجمة عن التعريفات الحالية قد لا تظهر في بيانات التضخم حتى أشهر الصيف، حينها فقط سيكون الاحتياطي الفيدرالي في وضع أفضل لفهم كيفية تسرب تأثير الرسوم المرتفعة عبر سلاسل التوريد.
يضاف إلى ذلك أن حزمة التعريفات الكاملة للرئيس ترامب لم تدخل حيز التنفيذ بعد، إذ لا يزال من غير الواضح أي رسوم ستطبق بعد 9 يوليو، وهو الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأمريكي لشركاء التجارة لإعادة التفاوض على ما أسماه بتعريفات «يوم التحرير». وعندما تطبق تلك الرسوم، ستدفع الأسعار نحو مزيد من الارتفاع.
وتدرس الإدارة الأمريكية أيضاً فرض تعريفات إضافية على قطاعات محددة، فيما قد تتفاقم ضغوط سعرية أخرى في الأفق، فأسعار النفط العالمية لا تزال عرضة لتداعيات وقف إطلاق النار الهش بين إسرائيل وإيران، كما أن «مشروع القانون الكبير الجميل» لخفض الضرائب التي يروج لها ترامب قد تضيف المزيد من الضغوط التضخمية.
وفي حال تجاوزت تأثيرات الرسوم الجمركية، وانتقالها للمستهلكين، والصدمات السعرية الأخرى مستوى التوقعات، فإن ذلك قد يؤدي إلى موجة تضخمية مستدامة، وليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار، وخصوصاً أن التضخم ظل أعلى من المستهدف لأكثر من أربع سنوات، فيما تبقى توقعات التضخم للعام المقبل مرتفعة.
أما في حال تأخرت الرسوم واستمرت حالة عدم اليقين، فقد يؤدي ذلك إلى تراجع في الطلب، ما قد يدعم التوجه نحو خفض الفائدة.
ومع استمرار حالة عدم اليقين، فإن الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير يبدو الخيار الأكثر أماناً.
غير أن ذلك لا يمنع وجود مخاطر بوقوع خطأ في السياسة النقدية. ولو توفرت معلومات أوضح لدى الاحتياطي الفيدرالي بشأن توقيت الرسوم ومدى تنفيذها، إلى جانب رؤية أشمل لأجندة الرئيس الاقتصادية، لكان بمقدوره اتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن توقيت الخفض. لذلك، على الرئيس الأمريكي أن يدرك أن جزءاً كبيراً من هذه المعضلة، من صنيعه هو.
