آلان بيتي
بعد أسبوع من اجتماع دول الاتحاد الأوروبي لمناقشة كيفية التعامل مع الصين، التقى مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش بنظيره الصيني وانغ وينتاو.
وكانت النتيجة وعداً بمعالجة القضايا التجارية، بما في ذلك العجز التجاري، بطريقة ما غير محددة المعالم بحلول أكتوبر المقبل. وقبل ذلك الاجتماع، كنت قد شاركت في محاكاة لسيناريو مواجهة تجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين، وكتبت عنها في هذا العمود. كيف انتهت المحاكاة؟
فازت الصين بشكل كاسح، ولم تقدم سوى وعد ضبابي بخطة خلال شهرين. وللتوضيح، كنت ضمن الفريق الذي يمثل المفوضية الأوروبية. التشابه مع الواقع لافت للغاية. وأتوقع بقوة ألا يشهد أكتوبر المقبل أي تطور جوهري أيضاً.
أما مقالتي اليوم فتركز على عودة ملف تسعير الأدوية إلى صدارة الأولويات التجارية الأمريكية، إضافة إلى الجدل المتصاعد حول اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA).
كان تسعير الأدوية في الماضي من أكثر القضايا إثارة للخلاف في أي مفاوضات تجارية أمريكية. وربما نسي البعض أن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ الشاملة والتقدمية (CPTPP)، التي كانت تعرف حينها باسم «الشراكة عبر المحيط الهادئ» (TPP)، تعثرت في الكونغرس بين عامي 2015 و2016 قبل أن ينهي دونالد ترامب مشاركة الولايات المتحدة فيها عام 2017.
وكان أحد الأسباب الرئيسية للخلاف يتعلق بمدة احتفاظ مطوري الأدوية البيولوجية بحقوق بيانات التجارب السريرية، بما يمنع إنتاج نسخ حيوية مماثلة منخفضة التكلفة.
في عهد جو بايدن، تراجع الدعم المطلق لصناعة الأدوية، بفضل تقارب إدارته مع جماعات ضغط مثل «بابليك سيتيزن» المناهضة بشدة لشركات الأدوية. بل إن الإدارة الأمريكية أبدت تأييداً شكلياً لمقترح إعفاء لقاحات كوفيد - 19 من براءات الاختراع في منظمة التجارة العالمية، قبل أن يتضح لاحقاً أن ذلك لم يكن سوى موقف استعراضي فقط.
لكن قطاع الأدوية عاد إلى الواجهة مجدداً، وترامب يمتلك خطة واضحة تقوم على رفع أسعار الأدوية في الخارج لتعويض الشركات عن الضغوط الرامية إلى خفض الأسعار داخل الولايات المتحدة.
وسيكون ذلك اختباراً مهماً لقدرة الحكومات الأجنبية على مقاومة الضغوط الأمريكية، خصوصاً قدرتها على التنسيق الجماعي في مواجهتها.
وقد بدأت الإدارة الأمريكية تحقيقاً بموجب المادة 301 بشأن ما تعتبره ممارسات تجارية غير عادلة من جانب ألمانيا، التي قررت في توقيت جريء إطلاق سياسة مشتريات جديدة تستهدف خفض أسعار الأدوية، رغم امتلاكها قطاعاً دوائياً محلياً كبيراً.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لا يملك سياسة موحدة لتسعير الأدوية أو شرائها على مستوى التكتل، فإن عدداً من الدول الأوروبية الأصغر، مثل بلجيكا وهولندا وأيرلندا، توحدت وأعلنت موقفاً معارضاً للتحركات الأمريكية.
ولا أحد يعلم كيف ستنتهي هذه المواجهة، لكنها تبدو على الأقل استراتيجية تفاوضية صحيحة. وهو إعلان الموقف بوضوح أمام الرأي العام، والعمل بالتنسيق مع الآخرين عندما يكون ذلك ممكناً، ما يجعل مقاومة الضغوط السياسية أكثر سهولة.
هناك خيار آخر، وهو ما فعلته المملكة المتحدة، عندما رضخت لضغوط متزامنة من جهتين. فمن ناحية، هددت شركات الأدوية بتقليص استثماراتها في بريطانيا إذا لم ترتفع الأسعار. ومن ناحية أخرى، دفعت الإدارة الأمريكية حكومة كير ستارمر إلى الموافقة على رفع الأسعار المحلية تحت التهديد بفرض رسوم جمركية، ضمن اتفاق تجاري محدود ومبسط للغاية.
وقد يكون لهذا الالتزام تأثيرات ملموسة على توافر الأدوية والصحة العامة.
وقال ديفيد هينيج، الباحث في مركز الدراسات السياسية الاقتصادية الدولية (ECIPE): إن هذه النتيجة تمثل مثالاً واضحاً على مخاطر صياغة السياسات التجارية بعيداً عن الرقابة العامة.
فعندما تتم المفاوضات في السر، لا تستطيع الحكومات استخدام الرأي العام كحجة لرفض مطالب الدول الأجنبية، بل تجد نفسها تأمل فقط ألا يلاحظ الناخبون أو البرلمان ما جرى.
وتدعي الحكومة البريطانية الآن أن دعم صناعة الأدوية المحلية كان هدفها منذ البداية، وهي سردية تذكرني بقطة سقطت عن الأريكة ثم تصرفت وكأنها كانت تنوي ذلك منذ البداية.
اللافت للانتباه أن هذه التطورات لم تثر ردود فعل واسعة في بريطانيا، رغم أن البلاد شهدت في منتصف العقد الماضي احتجاجات كبيرة ضد اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي (TTIP)، بسبب مخاوف من تأثيرها المحتمل على هيئة الخدمات الصحية الوطنية.
لذلك، فإن النصيحة لأي حكومة تواجه ضغوط ترامب في ملف الأدوية هي ببساطة: لا تفعلوا ما فعلته المملكة المتحدة.
أما بالنسبة للغموض الذي يحيط باتفاقية اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA)، فقد تعززت قناعتي بأن السياسة التجارية لترامب أصبحت بمنزلة برنامج لتوفير فرص العمل للمفاوضين التجاريين والصحافيين والمستشارين، بعدما أعلنت أمريكا الأسبوع الماضي أنها لن تمدد الاتفاقية في موعدها المحدد.
ولا يعني ذلك انتهاء الاتفاقية أو زوالها تلقائياً، بل إن إدارة ترامب تسعى إلى فرض تعديلات عليها قبل الموافقة على تمديدها.
وأعاد الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير التأكيد على إحدى أبرز هواجس الإدارة، وهي العجز التجاري الذي تسجله الولايات المتحدة مع كندا والمكسيك.
كما سبق للإدارة أن اشتكت من تمركز جزء كبير من سلاسل التوريد، خصوصاً في قطاع السيارات، خارج الولايات المتحدة، ما دفعها إلى المطالبة بتشديد قواعد المنشأ مرة أخرى، إضافة إلى انتقادات تتعلق بالالتزام بمعايير العمل.
ومن الواضح أن كندا والمكسيك ترغبان في استمرار الاتفاقية. فمهما تحدث رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن بناء نظام تجاري عالمي جديد تقوده القوى المتوسطة، فإنه يدرك أن تقليص الاعتماد على السوق الأمريكية سيستغرق وقتاً طويلاً.
وقد أبدى الوزير الكندي المختص حماسة كبيرة تجاه الاتفاقية الأسبوع الماضي، بينما أكد وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إيبرارد أهمية استمرارها، مع الإشارة إلى أن قواعد المنشأ الحالية تعد بالفعل من بين الأكثر تشدداً في العالم.
تكمن المشكلة الأساسية في أن الولايات المتحدة تريد من الاتفاقية تحقيق أهداف يصعب تنفيذها أو تتناقض في ما بينها. فالقضاء على العجز التجاري من خلال السياسات التجارية وحدها هدف يفتقر إلى الواقعية الاقتصادية، كما أن فرض معايير عمل صارمة عبر آليات الاتفاقية أثبت تعقيده في التطبيق.
وترى منصة «ألتانا» المتخصصة في تحليل سلاسل التوريد أن أبرز نقاط الضعف في الاتفاقية تتمثل في عمليات إعادة التصدير، وحجم المدخلات القادمة من خارج أمريكا الشمالية.
وفي ظل غياب خطة أمريكية واضحة، فالافتراض الأكثر ترجيحاً أن إبقاء الاتفاقية في حالة من عدم اليقين يشكل بحد ذاته أداة تفاوضية، تسمح لواشنطن باستخدام احتمال إلغائها كورقة ضغط دائمة على كندا والمكسيك.
لكن هذه الاستراتيجية تمنح البلدين في الوقت نفسه حافزاً إضافياً لمواصلة تنويع علاقاتهما التجارية، ويبدو أن قطاع المركبات الكهربائية سيكون أحد أبرز المجالات المرشحة لذلك.
