«تقرير الوظائف» يربك رواية التعافي في الولايات المتحدة

روبرت أرمسترونغ

ما زلنا نرى تقارير بحثية تروج لـ«تدوير كبير» للاستثمارات داخل قطاع التكنولوجيا، والانتقال من الشركات العملاقة إلى أسهم شركات أشباه الموصلات.

لكن يبدو أن هذه الرواية قد انتهت تماماً، فقد تلقت أسهم الرقائق وغيرها من «أسهم البنية التحتية» للذكاء الاصطناعي ضربة أخرى قوية قبل أيام، كما أن أداءها كان متذبذباً لمدة شهر كامل. أما القطاعات التي حققت أداء جيداً هذا الشهر فهي: الرعاية الصحية، فالقطاع المالي، ثم الصناعي، بهذا الترتيب، ولسنا متأكدين تماماً من سبب هذا التحول بعد.

كانت السردية المهيمنة على سوق العمل الأمريكية طوال السنوات القليلة الماضية، وحتى صدور تقرير الوظائف لشهر يونيو، تسير على النحو التالي: طفرة الوظائف التي أعقبت الجائحة .

واقتاتت على حزم التحفيز، بعد أن بلغت ذروتها عام 2021، بدأت تهدأ ببطء وصولاً لأدنى مستوياتها في النصف الثاني من عام 2025. حينها، بدا أن مستوى خلق الوظائف التعادلي في الولايات المتحدة، وهو الحد الأدنى اللازم للحفاظ على استقرار معدل البطالة، قد قارب الصفر.

وهو أمر طبيعي لبلد يشهد ثباتاً في نمو تعدد الكتلة السكانية في سن العمل، ومعدلات نمو اقتصادي اعتيادية. أي أنه لم تعد هناك حاجة ﻹيجاد وظائف كثيرة للحفاظ على استقرار البطالة، لأن النمو السكاني نفسه أصبح ضعيفاً.

لكن مع حلول ربيع هذا العام، بدأت تلوح بوادر تعافٍ جديدة؛ إذ أظهرت تقارير أشهر مارس، وأبريل، ومايو، نمواً ملحوظاً في الوظائف. وإذا أضفنا ذلك إلى تحسن مسوح الأنشطة الاقتصادية، وطفرة الاستثمار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، وأرباح الشركات المرتفعة، والنمو المستمر في الاستهلاك، ستجد أمامك حجة قوية تدعم فرضية أن الاقتصاد الأمريكي يعيد تسريع وتيرته.

هذه رواية مبهجة، وبدأنا نصدقها بالفعل، غير أن تقرير يونيو جعل من الصعب قبولها؛ فلم يقتصر الأمر على إضافة 57 ألف وظيفة فقط، بل تم تعديل الأرقام الإجمالية لشهري أبريل ومايو نزولا بمقدار 74 ألف وظيفة، لتستقر عند 277 ألفاً. وللمرة الألف، هذه التعديلات ليست مؤامرة خفية، بل هو انعكاس لصعوبة تتبع الوضع الوظيفي لنحو 170 مليون شخص.

وصحيح أن الاتجاه العام لخلق الوظائف لا يزال صاعداً، إلا أنه أصبح يبدو أضعف بكثير مما كان عليه. فغالبية الوظائف التي أضيفت في يونيو تركزت في قطاع الرعاية الصحية.

ورغم أن عددها الإجمالي للوظائف الجديدة يبدو جيدا، إلا أن جزءاً كبيراً منها كان في قطاعات مستقرة لا تعكس قوة الاقتصاد. وهذا يعني أن النمو الحقيقي في الوظائف الدورية، الحساسة للدورات الاقتصادية، جاء أقل من المتوقع. وهي الوظائف التي يزداد عددها مع النشاط الاقتصادي، ويتراجع بتراجعه.

رغم ذلك، يمكن إيجاد تبرير لهذا الشهر السيئ؛ إذ كان من المتوقع أن يشهد قطاع الضيافة والترفيه ارتفاعاً في التوظيف خلال يونيو، بالتزامن مع الاستعدادات لبطولة كأس العالم لكرة القدم في أمريكا الشمالية. إلا أن المفاجأة كانت في تراجع هذا القطاع بشكل حاد، بخسارة بلغت 61 ألف وظيفة.

فهل تمثل هذه التراجعات مجرد تقلب إحصائي عابر؟ هذا احتمال وارد. وباستبعاد خسائر قطاع الضيافة، يبدو أن سوق العمل لا يزال يسير في اتجاه إيجابي سيمتد لأشهر.

ويبدو كذلك أن الأسواق تتبنى هذا التفسير المتفائل، إذ لم تتغير توقعاتها لرفع أسعار الفائدة إلا بشكل طفيف. وسيتضح الشهر المقبل ما إذا كانت هذه القراءة صحيحة. وحتى ذلك الحين يبقى المشهد محكوما بأكثر عبارة إحباطاً في الأسواق المالية، «لننتظر ونرى».

يفضل كيفين وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، مراقبة التضخم باستخدام «المتوسط المستقطع». وقد عبر عن ذلك صراحة خلال جلسة اعتماده في مجلس الشيوخ قائلاً «شعوري العام هو أن مخاطر التضخم والأضرار التي أحدثها خلال السنوات القليلة الماضية قد تحسنت نوعاً ما العام الماضي. والمقاييس التي أفضلها هي التي تنظر إلى ما يسمى بالمتوسطات المستقطعة.

حيث نستبعد جميع المخاطر المتطرفة إحصائيا والبنود الاستثنائية التي تحدث لمرة واحدة، ونسأل أنفسنا ما إذا كان التغير العام في الأسعار يترك تأثيرات على الاقتصاد، وما هو معدل التضخم الأساسي؟ ليس التغير المؤقت في الأسعار الناتج عن تحول جيوسياسي أو قفزة في أسعار لحوم البقر، بل التغير الهيكلي العام للأسعار في الاقتصاد».

ويريد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عين وارش في منصبه، خفض أسعار الفائدة، لذا لم يكن غريبا أن يسارع رئيس الفيدرالي الجديد إلى تبني مقياس تضخم يبدو أكثر هدوءاً واعتدالاً من المؤشر التقليدي. وهنا يبرز مقياس «المتوسط المستقطع» لبنك احتياطي دالاس، الذي يسجل أرقاماً أدنى بوضوح، والسر يكمن في منهجية الحساب.

يعتمد هذا المقياس على استبعاد السلع ذات الارتفاعات الحادة أو الانخفاضات الشديدة في الأسعار للوصول إلى النواة الصلبة للتضخم. وهذا المقياس فعال، لكنه «يجمل الواقع»، إذ يستبعد سلعاً رئيسية قفزت أسعارها بقوة، بفعل التعرفات الجمركية الجديدة، ما يؤدي في النهاية إلى تصوير التضخم بأقل من واقعه الحقيقي.

في المقابل، يتبع بنك احتياطي كليفلاند طريقة أكثر توازناً في المتوسط المستقطع، حيث يكتفي بحذف نسبة ضئيلة ومتساوية من الأسعار المتطرفة صعوداً وهبوطاً. ونتيجة لذلك، جاء مؤشر كليفلاند أكثر سخونة وارتفاعاً، ليعكس بدقة الضغوط التضخمية التي شهدها شهرا أبريل ومايو.

ورغم أن المدافعين عن المقاييس المستقطعة يرون فيها أداة جيدة لتجاوز التقلبات المؤقتة، إلا أن الاعتماد عليها في زمن الصدمات الاقتصادية المتلاحقة ينطوي على مخاطرة حقيقية بالتقليل من حجم المعاناة اليومية للمستهلكين.

ويرى ستيف إنجلاندر، المحلل في بنك «ستاندرد تشارترد»، أن أن مقياس المتوسط المستقطع لبنك دالاس غالباً ما يتأخر في رصد قفزات التضخم الأساسي، كما حدث عام 2021. وتساءل «أي المؤشرات يخبرنا بأكبر قدر من الدقة عن التضخم المستقبلي؟»، ليخلص إلى أن المتوسطات المستقطعة جيدة لكنها لا تتمتع بأي ميزة واضحة من حيث قدرتها التفسيرية.

وفي عصر يتسم بالصدمات المتلاحقة، التي تؤثر بشكل مباشر وحقيقي على المستهلكين وعلى الاقتصاد ككل، فإننا يجب أن نتردد كثيراً في الاعتماد على مقاييس تقوم بحذف التحركات الكبيرة للأسعار، خاصة عندما يتم ذلك بشكل غير متناسب.