طفرة الرقائق تحكم قبضة التكنولوجيا على «وول ستريت»

ريتشارد ووترز

مع إسدال الستار على الربع الثاني من العام، بدا وكأن استحواذ قطاع أشباه الموصلات على سوق الأسهم قد اكتمل تماماً. إذ انضمت شركة «مايكرون» المختصة في صناعة رقائق الذاكرة إلى نادي التريليون دولار، بعد قفزة صاروخية لسهمها بلغت 730% خلال عام واحد فقط.

ومع ارتفاع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات بنسبة 90% على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، عادت قوة الدفع في طفرة الذكاء الاصطناعي لتصب بقوة في صالح الرقائق. فهل وصلنا إلى ذروة صعود هذا القطاع؟

من المعروف أن صناعة الرقائق، وخاصة رقائق الذاكرة، تتسم بطبيعتها الدورية المتقلبة. وبعد حمى «الخوف من فوات الفرصة» (FOMO) التي غذت السباق العنيف مؤخراً، شهد السوق الأسبوع الماضي نوبة متوقعة من القلق والترقب. ولكن حتى لو لم تكن دورات صعود الرقائق أبدية، فمن الصعب إعلان نهاية الدورة الحالية حالياً.

وتم تتويج الصعود القوي للرقائق في الربع الثاني بهيمنة قطاع التكنولوجيا الجديدة على «وول ستريت». فمع طرح شركة «سبيس إكس» للاكتتاب العام، أصبحت قائمة الشركات العشر الأكثر قيمة في الولايات المتحدة تتكون بالكامل من شركات التكنولوجيا للمرة اﻷولى في التاريخ.

ومن بين هذه الشركات العشر، تبرز ثلاث شركات مختصة حصريا في أشباه الموصلات. ولأن الرقائق هي المكون الأساسي في معادلة الذكاء الاصطناعي، فإن الشركات السبع الأخرى أصبحت تصمم رقائقها الخاصة أيضاً.

وقد يبدو الأمر متناقضاً مع المنطق؛ إذ تأتي هذه الطفرة والشغف بالرقائق في وقت بدأ فيه جزء كبير من الاهتمام بعالم الذكاء الاصطناعي ينتقل بعيداً عن البنية التحتية، ليتجه نحو النماذج والتطبيقات القادرة على تحويل قوة الحوسبة الجديدة إلى قيمة ملموسة للعملاء النهائيين.

غير أن المسار الأول هو ما قاد إلى الثاني، فنجاح وكلاء الذكاء الاصطناعي، مثل أداة «كلود كود» من شركة «أنثروبيك»، خلق قفزة هائلة في الطلب على «الرموز اللغوية» «Tokens» التي تمثل المخرجات الأساسية لنماذج اللغة الكبيرة، ما ضاعف بالتالي الطلب على البنية التحتية.

ولعل أبرز المؤشرات الواضحة على هذا الزخم هي سلسلة الصفقات التي أبرمتها شركة «xAI» المملوكة لإيلون ماسك لتأجير السعة الفائضة في مراكز البيانات التابعة لها. ففي الأسابيع الأخيرة.

وافقت «أنثروبيك» و«غوغل» والشركة الناشئة «ريفليكشن آي» على دفع نحو 2.3 مليار دولار شهرياً، أو ما يعادل 28 مليار دولار سنوياً، لقاء هذه الخدمات.

ويبدو هذا العائد بمثابة مكافأة ضخمة للاستثمارات التي ضخها ماسك في مراكز البيانات. فحتى مارس من هذا العام، بلغ إجمالي الإنفاق الرأسمالي لشركة «xAI» منذ تأسيسها 26.5 مليار دولار.

وحتى مع افتراض ضخ المزيد من الاستثمارات قبل دخول هذه الصفقات حيز التنفيذ الكامل، فإن هذه الأرقام تشير إلى فترة استرداد سريعة للغاية لرأس المال، وتفسر بوضوح لماذا تتسابق كل شركات الذكاء الاصطناعي لبناء مراكز البيانات، مع تخصيص الجزء الأكبر من الأموال لشراء الرقائق.

وكما هو متوقع، أدى هذا الارتفاع المفاجئ في الطلب إلى زيادة ضخمة في المعروض، سواء من حيث القدرات الإنتاجية المخطط لها أو من الأسهم.

ومن شواهد ذلك، إعلان شركتي «سامسونغ» و«إس كيه هاينكس» عن خطط لضخ استثمارات بقيمة 600 مليار دولار في كوريا الجنوبية، إضافة إلى تطلع «إس كيه هاينكس» لجمع 29 مليار دولار من إدراج أسهمها في الولايات المتحدة الأسبوع المقبل.

وفي المقابل، استشهد مايكل بوري، المستثمر الشهير الذي توقع أزمة الرهن العقاري عالي المخاطر، بهذه الاستثمارات الكورية الكثيفة كمؤشر يدعم رهانه على تراجع زخم طفرة الذكاء الاصطناعي.

ولكن بالنظر لأن هذه القدرات الصناعية الجديدة تحتاج إلى عامين أو ثلاثة لبدء اﻹنتاج، فإن الانفراجة في أزمة نقص رقائق الذاكرة لن تأتي سريعاً.

علاوة على ذلك، يتوقع بعض كبار مشتري الرقائق أن تكون أي دورة هبوط مقبلة محدودة التأثير. وعززت «مايكرون» هذا الاتجاه بإعلانها إبرام عدد من الصفقات طويلة الأجل، بما في ذلك عقود توريد مدتها خمس سنوات مع بعض أكبر عملائها، وهي خطوة من شأنها أن تضع حدا أدنى لأسعار منتجاتها إذا تراجعت السوق.

وعلى المدى الأبعد، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة سلاسل التوريد في قطاع الرقائق على تلبية الطلب المتنامي. إذ تشكل شركتا (ASML) وشركة (TSMC) نقطتا اختناق خطيرتان.

ورغم إعلان (TSMC) عزمها زيادة إنفاقها الرأسمالي بنسبة تصل إلى 37% هذا العام، تماما كما فعلت عام 2025، فإن هذه الزيادات تأتي بعد عامين من الانكماش والتقليص، ما يجعل الإنفاق الرأسمالي لعام 2026 أعلى بنحو 50% فقط مقارنة بمستويات عام 2022.

ويأتي هذا التباطؤ النسبي في المعروض على النقيض تماما من خطط كبار مشتري رقائق الذكاء الاصطناعي؛ إذ يخطط سبعة من أكبر مشغلي مراكز البيانات لإنفاق مبلغ مذهل يصل إلى 848 مليار دولار هذا العام، وهو ما يعادل خمسة أضعاف على الأقل ما أنفقوه في عام 2022، وفقاً لتقديرات نشرة «إكسبوننشال فيو» الاقتصادية.

وإذا كانت توقعات شركات التكنولوجيا صائبة، والطلب على الذكاء الاصطناعي يكون مرشحاً للإقلاع والازدهار، فإن أزمة نقص الرقائق تبدو بعيدة كل البعد عن النهاية. رغم ذلك، وبسبب الارتفاع السريع والهائل لأسهم أشباه الموصلات، سيظل المستثمرون يجدون الكثير من الأسباب التي تدعوهم للقلق والحذر.