لماذا يعدّ تفوق الولايات المتحدة الاستثنائي في الأسواق أمراً مبرراً؟

ليز آن سوندرز*

في معظم الدورات الاقتصادية تظهر تنبؤات تعلن نهاية «الاستثنائية الأمريكية». ففي عام 2008 كان انهيار بنك ليمان براذرز وما بدا أنه إفلاس للنموذج الأنجلوسكسوني. وبعد عقد من الزمن، تمثلت هذه التنبؤات في الصعود المتواصل للصين.

أما اليوم، فتتمثل في المخاوف بشأن العجز والدين الأمريكيين، والتركيز المتزايد على تحول التجارة العالمية إلى نظام أقل اعتماداً على الدولار. رغم ذلك، لا تزال رؤوس الأموال تتدفق إلى نيويورك بدلاً من مغادرتها. واستمرار هذا النمط يستحق التفكير فيه بشكل أكبر من موجة السرديات الجديدة حول تراجع الولايات المتحدة.

لنبدأ بمسألة غير جذابة ظاهرياً لكنها حاسمة، وهي البنية التشغيلية للأسواق المالية. فأسهم الشركات الأمريكية تمثل نحو 60 % من القيمة السوقية العالمية، بينما تظل سوق سندات الخزانة الأمريكية أقرب ما يكون إلى أصل خال من المخاطر ويتمتع بسيولة غير محدودة تقريباً.

وهذه ليست نقطة هامشية، فأي صندوق ثروة سيادي يدير مئات المليارات من الدولارات لا يستطيع ببساطة إيداع أمواله حيث تبدو العوائد أكثر جاذبية، بل يحتاج إلى فئة أصول عميقة بما يكفي للدخول والخروج منها دون التأثير سلباً في الأسعار.

أما منطقة اليورو، فرغم ثقلها الاقتصادي، إلا أنها توفر مزيجاً من أسواق السندات الوطنية المتباينة من حيث الجدارة الائتمانية. وفي المقابل، فإن السوق الصينية كبيرة الحجم.

لكنها محاطة بقيود على حركة رؤوس الأموال، وهي قيود قد تكون منطقية من منظور بكين، لكنها تمثل تحديداً نوع المعوقات التي تستطيع رؤوس الأموال الضخمة تجنبها عادة.

أما الدولار فيعزز أفضلية الولايات المتحدة. فما زالت العملة الأمريكية تمثل الحصة الأكبر من فواتير التجارة الدولية، كما تهيمن بفارق واسع على تداولات أسواق الصرف الأجنبي. ولا يعكس ذلك بالضرورة تصويتاً بالثقة لأي إدارة أمريكية بعينها، بقدر ما يعكس أثر الشبكة، فالدولار مفيد لأن الجميع يستخدمه، وهذه الفائدة تعزز نفسها ذاتياً بطريقة يصعب فعلاً زعزعتها.

وهناك أيضاً مسألة تقليدية إلى حد ما، تتمثل في مصداقية المؤسسات. فالعقود تنفذ، والمحاكم مستقلة في معظم الأحيان، والمعايير المحاسبية، رغم عيوبها، متسقة ومعلنة. وقد يبدو هذا مديحاً فاتراً، لكنه تحديداً ذلك النوع من المزايا الذي يصبح لافتاً عندما يغيب في أماكن أخرى.

وإذا كان عمق أسواق المال يفسر سبب بقاء الأموال في الولايات المتحدة، فإن منظومة الابتكار تفسر سبب استمرار تدفق اﻷموال إليها. فالعناصر المعروفة، من جامعات بحثية عالمية المستوى، وشركات رأس مال الجريء والاستثمار الخاص تفوق نظيراتها العالمية بأشواط، وثقافة تقبل الفشل بطريقة يصعب على الأنظمة الأخرى تقليدها، اكتسبت أهمية جديدة مع طفرة الذكاء الاصطناعي.

فمختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة تكاد تكون أمريكية بالكامل، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«جوجل ديب مايند» وذراع الأبحاث التابعة لـ«ميتا».

وخلفها تقف شركات الحوسبة العملاقة مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«جوجل» و«ميتا»، التي باتت نفقاتها الرأسمالية المجمعة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تضاهي الناتج المحلي الإجمالي لاقتصادات عالمية متوسطة الحجم.

كما أن شركة الرقائق المهيمنة «إنفيديا» تقع داخل الفلك الأمريكي رغم اعتمادها على التصنيع في تايوان. ولم يحدث أي من ذلك نتيجة تخطيط مركزي، بل لأن رأس المال والمواهب، بما في ذلك المواهب المتعلمة في الخارج، والحوافز التجارية تلاقت بطريقة وجدت الأنظمة الأخرى صعوبة في هندستها.

ولا ينبغي تفسير ما سبق على أنه دعوة إلى الاطمئنان المفرط. فقد كان تقدم الصين في نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة الأوزان أسرع من ما توقعه كثيرون، كما أن هيمنتها على سلاسل توريد المركبات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة تمثل مصدر قوة سيظل مؤثراً لعقود.

أما الاتحاد الأوروبي، فما زال يناقش مشروع اتحاد أسواق رأس المال التي تهدف لإنشاء سيولة أوروبية عميقة بما يكفي لتقليل الاعتماد على وول ستريت. غير أن عبارة «ما زال يناقش» تبقى جوهرية هنا، بالنظر إلى تاريخ المشروع الحافل بحقوق النقض الوطنية والتباطؤ البيروقراطي.

كما أن النقاش حول إزالة الدولرة يستحق أن يؤخذ على محمل الجد بدلاً من تجاهله. فقد أدت العقوبات المفروضة على روسيا إلى تسريع تنويع هادئ في احتياطيات بعض البنوك المركزية، التي رفعت حيازاتها من الذهب بشكل محدود.

لكن كلمتي «محدود» و«هامشي» تظلان الوصف الأدق. فلا توجد عملة بديلة توفر المزيج نفسه من السيولة وقابلية التحويل واليقين القانوني الذي يوفره الدولار، وهذه الفجوة لا تنغلق بسرعة.

وستختبر هذه المزايا خلال العقد المقبل في مواجهة الحسابات المالية الصعبة، والتشرذم الجيوسياسي، وسباق الذكاء الاصطناعي نفسه. لكن الخلاصة الموضوعية هي أن مركزية الولايات المتحدة تستند إلى مجموعة من المزايا المتضافرة: عمق الأسواق، وتأثيرات شبكة الدولار، والثقة بالمؤسسات، والقدرة على الابتكار.

ولكي يختل هذا النظام، يتعين أن تتآكل هذه المزايا كلها في الوقت نفسه. صحيح أن كل ميزة على حدة تواجه ضغوطاً حقيقية، لكنها مجتمعة أثبتت قدرة لافتة على الصمود أمام تحديات بدت، عند النظر إليها منفردة، أكثر تهديداً في التوقعات مما هي عليه في الواقع.

*كبيرة استراتيجيي الاستثمار في شركة تشارلز شواب