مع انكماش فقاعة التكنولوجيا لنعد إلى قواعد التقييم التقليدية

سايمون إدلستن*

في المعرض الوطني بلندن توجد لوحة مدهشة للفنان بول ديلاروش تجسّد الليدي جين غراي قبل إعدامها بفصل رأسها عن جسدها. هذه اللوحة تذكّرني بشركة سبيس إكس.

كان ديلاروش، بفضل أسلوبه الواقعي شديد الدقة، أكثر الرسامين شهرة في فرنسا خلال الفترة التي أعقبت نابليون. لكن ذلك استمر فقط إلى أن تم اختراع الكاميرا.

فانهارت القيمة السوقية لأعماله، ليطلق عبارته الدرامية الشهيرة «اعتباراً من اليوم، مات الرسم». وفي ذلك الوقت، لم يكن شراء إحدى لوحات ديلاروش استثماراً جيداً؛ كان من الأفضل شراء أعمال ديلكروا.

وهذه هي المشكلة مع الأصول التي تمتلك «قيمة جوهرية» لكنها لا تدر تدفقات نقدية. فأنت تعتمد بالكامل على ما تأمل أن يكون الآخرون مستعدين لدفعه مستقبلاً، وهو أمر قد يتغير بمجرد تبخر الحماس والمبالغة. فكر في زهور التوليب الهولندية، أو الرموز غير القابلة للاستبدال (NFTs)، أو البتكوين، أو حتى دمى «بيني بيبيز».

وهنا نصل إلى «سبيس إكس» والدرس الأساسي الذي يبدو بديهياً، لكنه ليس كذلك على ما يبدو: التقييم هو أساس أي استثمار. وأكثر الطرق موثوقية لتحقيق نتائج جيدة على المدى الطويل هي الالتزام بقواعد التقييم التقليدية، أو ما أسميه اختصاراً OFVRs.

عندما بدأت عملي في الاستثمار، كان الناس يشترون الأسهم بناء على العائد النقدي. وقد نجح ذلك طالما كانت توزيعات الأرباح مدعومة بأرباح قوية. لكنه لم يكن مفيداً مع أسهم التكنولوجيا سريعة النمو التي كانت تعيد استثمار كامل أرباحها تقريباً.

لذلك نحتاج إلى مقاييس أخرى. فمستثمرو النمو يركزون عادة على توقعات التدفقات النقدية، بينما يهتم مستثمرو القيمة أكثر بالميزانية العمومية والأصول. أما أنا فأفضل النظر إلى الجانبين معاً.

ينبغي أن تكون الأموال المتوقع توليدها مستقبلاً، هي أساس تسعير الأسهم. ويجب أن توفر للمستثمر عائداً مناسباً مقابل المخاطر التي يتحملها بدلاً من مجرد إيداع أمواله في البنك.

أو في الحد الأدنى، إذا تم بيع أصول الشركة، فينبغي أن تكون حصيلتها أعلى من قيمة المنشأة. وعند تطبيق هذه القواعد على «سبيس إكس»، فتقديري أن قيمتها لا تتجاوز نحو 20 % من سعر طرحها العام الأولي. فالشركة لا تحقق تدفقات نقدية كبيرة.

وحتى حسب السيناريوهات المتفائلة التي تفترض نجاح إيلون ماسك سريعاً في بناء مراكز بيانات في الفضاء، فإن سعر السهم بالكاد يقترب من مستوى منطقي، دون أن يترك مجالاً لمكافأة المستثمر على المخاطر الهائلة. وهناك تفوح رائحة «فقاعة التوليب» من القصة كلها.

لكن «سبيس إكس» ليست الشركة الوحيدة التي تفشل في اجتياز هذه القواعد. فمع التركز الكبير، والارتفاعات الضخمة في تقييمات شركات التكنولوجيا، تخلف مديرو الصناديق النشطون الذين تمسكوا بانضباط التقييم عن أداء المؤشرات العالمية خلال السنوات الأخيرة.

وأرى أن هناك سببين رئيسيين يجعلان الالتزام بهذه القواعد مفيداً على المدى الطويل. الأول، وهو الأهم، أنها تساعدك عندما لا تسير الأمور كما تتوقع أو تأمل. فهي تمنعك من دفع أسعار مبالغ فيها ثم التعرض لخسائر مؤلمة.

أما السبب الثاني فهو أنها تساعدك في اكتشاف الأسهم التي يعزف عنها السوق رغم تداولها عند مستويات سعرية شديدة الجاذبية.

قبل عامين، لاحظنا أنه كان يتم تداول سهم «إنتل» قرب ما اعتبرناه قيمته الجوهرية، أي قيمة مصانع الشركة ومكانتها السوقية وملكيتها الفكرية، رغم أن أرباحها النقدية آنذاك كانت متواضعة جداً.

وعادة ما يتم تداول أسهم التكنولوجيا عند مضاعفات مرتفعة من الأرباح النقدية تعكس إمكانات النمو. ونادراً ما تقترب من قيمتها الجوهرية. ولهذا السبب كانت توصية معظم محللي قطاع التكنولوجيا بيع سهم «إنتل».

وبمجرد أن اشترينا السهم، تم تعيين رئيس تنفيذي جديد، واشترت الإدارة الأمريكية حصة في الشركة، وبدأت نشاط تصنيع الرقائق في التحسن. لم نكن نعلم أن أياً من ذلك سيحدث، بل اكتفينا بتحليل إمكانات صعود السهم إذا تحسن أي شيء بصورة ملموسة.

الشراء بسعر منخفض للغاية يحدث فرقاً هائلاً في العوائد عندما تستثمر بمنظور طويل الأجل يمتد خمس سنوات أو أكثر. لكن تبني منظور طويل الأجل يتطلب تجاهل التقلبات اليومية المبالغ فيها التي نشهدها حالياً، حيث تتأرجح أسعار الأسهم باستمرار.

على سبيل المثال، أعلنت شركة «مايكرون» أخيراً أرباحاً استثنائية، تضمنت قفزة بمقدار 15 ضعفاً في الأرباح الفصلية إلى جانب توقعات متفائلة للغاية، ما دفع السهم للافتتاح مرتفعاً بأكثر من 10 %.

لكن هذه القفزة أعادت السهم إلى المستوى الذي كان عليه قبل أربعة أيام فقط! وفي كثير من الأحيان يكون من الأسهل رؤية مكان السهم بعد 5 سنوات مقارنة بمكانه بعد 5 أسابيع.

نعم، هناك مؤشرات على وجود ظروف تشبه الفقاعة في أسهم التكنولوجيا، وربما كان طرح «سبيس إكس» هو اللحظة التي بدأت عندها تلك الفقاعة بالانكماش.

أما إذا كان السوق سيتعامل بسهولة مع الطرح المرتقب لـ«أوبن ايه آي» و«آنثروبيك» فما زال أمراً غير محسوم. رغم ذلك، فإن جزءاً كبيراً من بقية أسواق الأسهم العالمية ما زال يتوافق جيداً مع قواعد التقييم التقليدية.

فأسهم العقارات البريطانية يتم تداولها بأقل من قيمة أصولها، وهو ما يتضح من محاولة شركة Prologis الاستحواذ على Segro بسعر منخفض.

كما شهدنا عروض استحواذ على «إيزي جيت»، بعد صفقات استهدفت Schroders وTate & Lyle. وأصبحت بريطانيا تعاني نقصاً في الشركات المدرجة، في الوقت الذي لا تتوقف فيه شركات التكنولوجيا الأمريكية عن إصدار أسهم جديدة.

وفي مقالات سابقة، أشرت أيضاً إلى شركات نمو خارج قطاع التكنولوجيا تحظى بدعم قوي من قواعد التقييم التقليدية، مثل Thermo Fisher وNetflix وSLB.

وقد تكون فقاعة التكنولوجيا بدأت بالفعل في الانكماش، لكن ذلك لا يعني أن جميع الأسهم ستتضرر. فإذا كنت تمتلك أسهماً مدعومة بأسس تقييم قوية، فمن المرجح أن تكون في وضع جيد على المدى الطويل. وعلى الأقل، توفر لك هذه القواعد مجموعة أدوات عملية يمكن الاعتماد عليها إذا أصبحت الظروف أكثر تعقيداً مما هو متوقع.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون شراء الأسهم شبيهاً بالتخمين حول ما إذا كان مونيه أو مانيه أو ديلاروش أو ديلاكروا سيكون الفنان المفضل غداً. ولا عما إذا كان أحد أباطرة التكنولوجيا سيصل إلى المريخ. حافظ على الانضباط، وركز على التقييم.

*مدير صناديق في شركة Goshawk Asset Management ومستثمر في Thermo Fisher وNetflix وSLB