كيف تصبح الجموع أكثر غباءً؟

ستيوارت كيرك
في غالبية مباريات كأس العالم، يوم الأربعاء، بدا أن «حكمة الجموع» غائبة تماماً. 

فقد منحت مواقع التوقعات إنجلترا فرصة كاسحة للفوز على جمهورية الكونغو الديمقراطية، لكن الفريق الإنجليزي ظل متأخراً في النتيجة حتى الدقيقة الرابعة والسبعين.

وقبل ذلك بأيام، كانت ألمانيا المرشح الأوفر حظاً قبل أن تخسر أمام باراغواي، كما تعرضت هولندا لهزيمة غير متوقعة أمام المغرب.

وبعيداً عن كرة القدم، ولا تقلقوا فلن أطيل الحديث عنها، أخطأ الإجماع أيضاً بشأن توقع ضعف الدولار هذا العام، كما أن المتنبئين بأسعار النفط يبدون تائهين. في الوقت نفسه، ورغم وصول تقييمات الأسهم الأمريكية إلى مستويات مبالغ فيها بشكل لافت، فإن المستثمرين ما زالوا مطمئنين.

فأين تذهب الحكمة أحياناً؟ ولماذا تخطئ الأسواق، التي يفترض أنها تجمع معارف ملايين الأشخاص، أو حتى عدد محدود من الأذكياء، مراراً وتكراراً؟

تعود فكرة «ذكاء الجموع» إلى عام 1906. ففي ذلك العام حضر الإحصائي الفيكتوري فرانسيس جالتون معرضاً ريفياً دفع فيه نحو 800 شخص رسوماً مقابل تخمين وزن ثور. وكانت تقديرات الأفراد متوسطة الدقة في معظمها، لكن التقدير الجماعي جاء قريباً للغاية من الوزن الحقيقي، بفارق لم يتجاوز 0.8 %.

وقد أطلقت هذه الملاحظة البسيطة أكثر من قرن من الأبحاث. فمن تقدير الوقت إلى تخمين عدد حبات الهلام داخل أوعية زجاجية، أثبتت «حكمة الجموع» فاعليتها مراراً. وهي أيضاً الأساس الذي تقوم عليه أسواق التنبؤ الحديثة، حيث يجري تداول ملايين العقود، ولا تسموها مراهنات، على كل شيء، من الأحداث الرياضية إلى الانتخابات.

لكن تجربة جالتون كثيراً ما يساء فهمها. فالعبرة لم تكن أن الأعداد الكبيرة من الناس تكون دائماً على صواب، بل أن التنبؤ الجماعي لا يكون دقيقاً إلا في ظل شروط محددة، أهمها استقلالية الآراء.

تخيلوا لو طُلب من المشاركين أنفسهم تقدير وزن الثور بعد أن استمعوا جميعاً إلى الخبير نفسه، وقرؤوا التقارير نفسها، وتبادلوا النقاش فيما بينهم. عندها تتغير الرياضيات بالكامل. فالأخطاء لا تلغي بعضها بعضاً، بل تبدأ في تعزيز بعضها البعض.

وفي تجربة شهيرة أجراها عالم الرياضيات يان لورنز وزملاؤه عام 2011، طلب من المشاركين أولاً تقديم تقديرات مستقلة، ثم أتيح لهم الاطلاع على إجابات الآخرين قبل تعديل توقعاتهم. وكما هو متوقع ارتفعت الثقة وتقاربت التقديرات، لكن الدقة لم تتحسن في كثير من الأحيان.

ويصف الاقتصاديون ظاهرة مشابهة باسم «سلسلة المعلومات». فعندما يبدو أن عدداً كافياً من الناس يؤمنون بشيء ما، يصبح من المنطقي أن يتبعهم الآخرون، حتى إن كانت قناعاتهم الخاصة تشير إلى اتجاه مختلف. وكان جون ماينارد كينز قد أدرك هذه الديناميكية قبل نحو قرن عندما شبّه الاستثمار ليس باختيار أجمل وجه، بل بتخمين الوجه الذي يعتقد الجميع أن الآخرين سيختارونه.

ويساعد ذلك في تفسير فشل التوقعات الجماعية في كثير من الأحيان. فاستراتيجيو أسواق العملات لا يتوصلون بشكل مستقل إلى أن الدولار ينبغي أن يضعف، بل يستهلكون البيانات نفسها، ويبنون نماذج متشابهة، ويحضرون المؤتمرات ذاتها، ويقرؤون أبحاث بعضهم البعض.

وينطبق الأمر نفسه على المراهنين الرياضيين الذين يتابعون الإصابات والإحصاءات وشاشات الاحتمالات ذاتها، وكذلك على مستثمري الأسهم الذين يستمعون إلى المكالمات الدورية لنتائج الشركات نفسها.

الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن التوقع الذي يحظى بالإجماع هو بالضرورة الأكثر قيمة أو فائدة. في الواقع، يمكن للمستثمرين أن يتعلموا الكثير بالنظر إلى الاتجاه المعاكس. ولنعد إلى استراتيجيي العملات.

فإذا توقع 99 منهم تراجع الدولار بنسبة 5 %، بينما توقع شخص واحد ارتفاعه بنسبة 20 %، فإن الإجماع يشير إلى انخفاض محدود. لكن أي التوقعين يستحق مزيداً من الدراسة؟ على الأرجح، ذلك الرأي الشاذ الخارج عن الإجماع.

فنحن نُمضي حياتنا كلها تقريباً نتعلم نبذ الاختلاف، سواء في المدرسة أو في بيئة العمل. لكن «حكمة الجموع» لا تنجح إلا عندما يرتكب عدد كبير من الناس أخطاء مختلفة. والأمر نفسه ينطبق على التطور البيولوجي؛ فالانتقاء الطبيعي لا يستطيع تحسين الأنواع إذا كانت جميع الكائنات متطابقة، لأن التنوع هو المادة الخام التي ينبثق منها التقدم.

وقد بدأ المشاركون في معرض جالتون الريفي متشابهين ظاهرياً، لكن دقة تقديراتهم جاءت من كون المزارعين والجزارين والأطباء استندوا إلى أجزاء مختلفة من المعرفة.

وعشرة رجال بيض يبلغون الخمسين من العمر وعمل كل منهم في قطاع مختلف طوال حياته قد يجلبون معلومات أكثر استقلالية إلى نقاش ما من مجموعة تبدو أكثر تنوعاً شكلياً لكنها تعمل كلها في القطاع نفسه.

إن حكمة الجموع لم تكمن يوماً في الإجماع، بل في الاختلاف. فعندما يبدأ الجميع بالتفكير بالطريقة نفسها تصبح الجموع أكثر عرضة للخطأ. وبالمناسبة منح موقع «بولي ماركت» فرنسا فرصة تبلغ 80 % للفوز بمباراتها.