هذا البرنامج، الذي يُعد واحداً من أكبر عمليات تقليص العمالة في تاريخ شركات السيارات، يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الصناعة الألمانية على إعادة هيكلة نفسها لمواكبة عصر السيارات الكهربائية، ومواجهة ما يمكن تسميته بـ«الصدمة الصينية الثانية».
ورغم أن المفاوضات الشاقة مع النقابات العمالية في ديسمبر من ذلك العام أسفرت عن الاتفاق على شطب 35 ألف وظيفة دون إغلاق أي مصنع، إلا أن الرسوم الجمركية الأمريكية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتدهور الأوضاع في السوق الصينية، جعلت تلك الخطوات غير كافية.
وما لم يتم الوصول إلى الحد المستهدف من خفض التكاليف، فإن الإدارة تلوح بإغلاق أربعة مصانع، علماً أن اثنين منها خضعا بالفعل لعمليات تحويل مكلفة لإنتاج السيارات الكهربائية.
ورغم أنهم استفادوا من دعم حكومي سخي وعمالة منخفضة التكلفة، إلا أنهم أدركوا أيضاً، وبسرعة تفوق الشركات التقليدية، أن مشتري السيارات الكهربائية تستهويهم البرمجيات وأنظمة الحوسبة المتطورة أكثر مما تبهرهم الهندسة الميكانيكية.
إلا أنها تأخرت كثيراً في طرح طرازاتها، ثم لم تحظ بقبول المستهلكين عند طرحها في الأسواق. ويرجع ذلك جزئياً إلى الإخفاق الكارثي للشركة في محاولاتها الأولية لتطوير برمجيات السيارات الكهربائية داخل الشركة.
وأن يتعثر هذا النموذج بهذه السرعة، فقبل جائحة كورونا كانت تستهدف إنتاج 12 مليون سيارة سنوياً، مقارنة بخططها الحالية لتقليص القدرة الإنتاجية إلى 9 ملايين، يشير إلى الحاجة إلى مراجعة أوسع للنموذج الاقتصادي الألماني برمته، في وقت تتحرك فيه الشركات الصينية بسرعة فائقة نحو صدارة سلاسل القيمة المضافة.
وقد أعلن مجلس العاملين والنقابة في «فولكس فاجن» عزمهم التصدي لإغلاق المصانع «بكل ما أوتوا من قوة»، إلا أن الدروس المستفادة من السنوات الأخيرة تثبت أن الاستماتة في الدفاع عن الوضع الراهن اليوم قد لا يؤدي إلا إلى خطوات أكثر إيلاماً غداً.
كما يجب على الحكومة الألمانية القيام بدورها عبر تهيئة ظروف أفضل للاستثمار وخلق فرص العمل، وتعتبر حزمة الإصلاحات التي أقرتها الحكومة الائتلافية هذا الأسبوع، التي شملت تعزيز مرونة سوق العمل وتقليص الإجراءات البيروقراطية، خطوة إيجابية في هذا المسار.
وستكون قدرة النظام الألماني على التكيف مع هذه التحولات عاملاً مؤثراً، ليس فقط على مستقبل ألمانيا، بل على مستقبل الاقتصاد الأوروبي بأكمله.
