ليكس
قدمت أوروبا للعالم المطبعة، والهاتف، والشبكة العنكبوتية، ثم؟ الصين والولايات المتحدة حالياً تسبقان أوروبا بمسافات شاسعة في مجالات التكنولوجيا المختلفة، بدءاً من التطبيقات الفائقة وتكنولوجيا الدفاع ووصولاً للذكاء الاصطناعي، في حين أن المنافسين الأوروبيين بالكاد لم يغادروا خط البداية بعد.
بالطبع هناك بعض الاستثناءات، مثل شركة «بيندينج سبونز» وهي تكتل تكنولوجي إيطالي طرح أسهمه للاكتتاب العام في نيويورك يوم الأربعاء الماضي، وتم تسعير أسهمها أعلى من المتوقع. إلا أن قيمتها السوقية، التي تبلغ نحو 20 مليار دولار، لا تغير من هذه الأطروحة شيئاً.
إذ يتطلب الأمر تجميع 4 من أكبر شركات التكنولوجيا في أوروبا، وعلى رأسها شركة صناعة معدات الرقائق الإلكترونية «إيه إس إم إل»، لتتجاوز قيمتها الإجمالية تريليون دولار.
بينما تمتلك الولايات المتحدة وحدها 10 شركات تكنولوجية مدرجة يتجاوز كل منها هذا الرقم.
وإذا نظرنا إلى رأس المال الاستثماري، نجد أن الثلاثي الأوروبي المتمثل في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، والذي يصنف ضمن المراكز العشرة الأولى للشركات الناشئة، قد جمع أقل من 50 مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أواخر مارس، وفقاً لبيانات «ديل روم»، وهو ما يعادل عشر المبلغ الذي تم ضخه في المشاريع الأمريكية خلال الفترة نفسها.
وهذا رغم أن أوروبا تمتلك عدداً أكبر بكثير من السكان واقتصاداً يقل عن الاقتصاد الأمريكي نسبة الخمس فقط.
وبعد أن أوضحنا أن أوروبا تخلفت عن الولايات المتحدة، يحق التساؤل عن السبب وراء ذلك.
وعادة ما توجه أصابع الاتهام إلى عوامل عدة، مثل مدى توفر رأس المال، والميل نحو الابتكار، واللوائح التنظيمية. إلا أن اثنين من هذه العوامل الثلاثة متاحان بالفعل أو يمكن توفيرهما.
فرأس المال لا يشكل سوى عائق جزئي، إذ يساهم المستثمرون من الاتحاد الأوروبي بربع التمويل فقط في صفقات الذكاء الاصطناعي التي تتجاوز قيمتها 25 مليون يورو، في حين يتم تدبير بقية التمويل بفضل استثمارات تأتي من أماكن أخرى.
ومن أمثلة ذلك، شركة «ستارك» الألمانية الناشئة للطائرات المسيرة، التي تقدر قيمتها بنحو مليارين ونصف المليار يورو، وتلقت دعماً من الملياردير الأمريكي بيتر ثيل، الذي كانت شركته لرأس المال الاستثماري من أوائل الداعمين لشركة التكنولوجيا المالية «وايز».
ومع ازدياد الأرقام، يجب على صناع السياسات في أوروبا أن يتقبلوا فكرة زيادة تملك الأجانب للشركات المحلية.
وقد أدى استحواذ مجموعة «سوفت بنك» على شركة «أرم هولدينجز» مقابل 24 ملياراً و300 مليون دولار إلى وضع مصمم الرقائق البريطاني في أيدي أكبر مستثمر تكنولوجي في اليابان.
كما وضع استحواذ «جوجل» على «ديب مايند» قبل ذلك بعامين، الشركة البريطانية الناشئة في الذكاء الاصطناعي، تحت الملكية الأمريكية. رغم ذلك فإن هذا الأمر يعزز قيمة الشركات التكنولوجية الأوروبية الناشئة ولا ينتقص منها.
من جهة أخرى، يصعب قياس الأفكار والابتكارات. وإذا استخدمنا طلبات براءات الاختراع كمؤشر، فإنها تدعم أصحاب النظرة المتشائمة.
إذ سجلت الدول الخمس الأكثر نشاطاً في أوروبا مجتمعة 43 ألف طلب في العام الماضي وفقاً للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، وهو ما يقل عن 60% من عدد طلبات البراءات المقدمة في الصين وحدها.
رغم ذلك، فإن أوروبا لا تفتقر إلى المواهب، بل إنها تمتلك قطاعات تقنية متميزة وواضحة، بما في ذلك دورها الرائد في التكنولوجيا المالية مع شركات مثل «ريفولوت» و«مونزو» اللتين تتخذان من المملكة المتحدة مقراً لهما.
كما يوجد أكثر من 300 شركة ناشئة في تكنولوجيا الدفاع، بما في ذلك شركة «هيلسينج» الألمانية لصناعة الطائرات المسيرة التي تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار.
كما تحظى علوم الحياة والتكنولوجيا الحيوية بتمثيل جيد، بما في ذلك الشركات المنبثقة عن الجامعات.
ورغم أن 20% من أموال رأس المال الاستثماري في أوروبا فقط تذهب إلى الذكاء الاصطناعي، مقارنة بثلثها في الولايات المتحدة، فإن هذا قد يثبت في نهاية المطاف أنه علامة على الانضباط والتروي بدلاً من كونه دليلاً على التجاهل أو الإهمال.
ويقودنا هذا كله إلى معضلة اللوائح التنظيمية. يتحدث صناع السياسات في جميع أنحاء القارة بحماس شديد عن إزالة القيود البيروقراطية، لكن هذا الأمر لا يزال حتى الآن مجرد عمل قيد التنفيذ، وهنا يكمن العائق الحقيقي وعنق الزجاجة وليس مسألة نقص الأموال. إن توزيع الأموال والمخصصات المالية مثل خطة الاتحاد الأوروبي للابتكار الدفاعي أمر جيد.
لكن ابتكار واكتشاف طرق تتيح للشركات الناشئة التأسيس والازدهار والنمو هو الاستغلال الأفضل والأمثل لطاقات أوروبا وجهودها.