الحظ لعب الدور الأكبر في مرونة الاقتصاد العالمي

مارتين وولف
حافظ الاقتصاد العالمي على مرونته رغماً عن موجة التضخم التي أعقبت الجائحة، والتعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحرب روسيا وأوكرانيا، وحرب إيران، وما نتج عن الصراعين من صدمات كبرى في قطاع الطاقة، والتي تعد أحدثهما الأكبر تاريخياً من حيث الحجم.

فهل ينبغي لنا أن نستنتج من ذلك أن الاقتصاد العالمي منيع ضد الصدمات، أم أنه كان محظوظاً فحسب؟ وإذا كان الأمر مجرد حظ، فكيف يمكن أن ينفد في النهاية؟

يظهر التحليل الوارد في أحدث تقرير اقتصادي سنوي لبنك التسويات الدولية (BIS) أن المرونة كانت موجودة بالفعل، لكن الحظ كان حاضراً أيضاً. علاوة على ذلك، يوضح التقرير أن المخاطر بدأت تتراكم، خصوصاً في التفاعل بين الهشاشة المالية العامة والهشاشة الهيكلية لقطاع التمويل.

وينبغي للمرء أن يضيف إلى ذلك نقاط الضعف الاجتماعية والمالية وغيرها، والتي يرجح أن تخلقها أو تفاقمها المسيرة المظفرة للذكاء الاصطناعي في مجالات الاقتصاد. وليس من الصعب تخيل صدمات تكون فيها قدرة القطاع العام على الاستجابة الفعالة أكثر محدودية مما يتوقعه الناس اليوم كأمر مسلم به.

ولننظر إلى تأثير بعض الأحداث الأخيرة. كان ضرر حرب التعريفات الجمركية التي شنها ترامب أقل بكثير من المتوقع. ويعود ذلك جزئياً إلى أن الرسوم كانت أقل بكثير من المستويات المقترحة في البداية، كما ساهمت الشركات الأمريكية، ولو مؤقتاً، في امتصاص جزء من التكاليف عبر تقليص هوامش أرباحها. لكن العامل الأهم هو أن التعريفات كانت تمييزية وعشوائية للغاية.

وكانت النتيجة الحتمية هي تحول مسار التجارة من تصدير صيني مباشر إلى أمريكا، إلى دخول الصادرات الصينية عبر اقتصادات ناشئة أخرى، معظمها في شرق آسيا، وقادرة على الإنتاج باستخدام مدخلات صينية. والأهم من ذلك، وهو الأمر الحاسم، أن بقية العالم لم يستنسخ سياسة ترامب الحمائية، بل رأوا بحكمة أنها غير عقلانية إلى حد لا يحتذى.

كما كان العالم أيضاً محظوظاً بشكل كبيراً جداً على صعيد الاقتصاد الكلي، بطفرة الذكاء الاصطناعي، التي لم تؤد فقط إلى تعزيز الثقة في سوق أسهم متضخمة بالفعل فحسب، بل أحدثت أيضاً طفرة هائلة في الاستثمار المحلي الأمريكي. وكان للأخير تأثيرات ملحوظة على المدخلات من شرق آسيا. ونتيجة لهذه الطفرة، إلى جانب تحويل مسار التجارة المذكور أعلاه، ظلت التجارة العالمية منتعشة بشكل لافت.

رغم ذلك، واجه الاقتصاد العالمي في عام 2026 صدمة كبرى أخرى تمثلت في إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم المضائق البحرية في العالم لعبور النفط والغاز الطبيعي والعديد من المنتجات الحيوية الأخرى. وقد استمر هذا الإغلاق أربعة أشهر ولا يزال مستمراً. ومن حيث المعروض، تعد هذه أكبر صدمة نفطية على الإطلاق، وإن كانت المخزونات قد خففت وطأة هذه الضربة.

ويشير بنك التسويات الدولية إلى أننا إذا جمعنا كل هذه النقاط معاً، فسنرى أربعة مواطن ضعف اقتصادية:

أولاً، ارتفع التضخم. والسؤال المطروح على البنوك المركزية هو ما إذا كان هذا الارتفاع سيكون موجزاً وعابراً، أم كبيراً ومستداماً بما يكفي لتوليد قفزة أخرى في مستويات الأسعار، تماماً كما فعلت موجة التضخم التي أعقبت الجائحة بشكل فج. فهل يمكن لصدمة ثانية أن تزعزع استقرار توقعات التضخم بشكل ملحوظ؟ نعم، فالإخفاق الحاد في تحقيق مستهدف التضخم لمرة واحدة قد يعد سوء طالع، أما الإخفاق فيه للمرة الثانية، حتى وإن كان بدرجة أقل بكثير، فسيبدو أشبه بالإهمال.

ثانياً، قد يتباطأ الإنفاق المتزايد على الذكاء الاصطناعي، وربما بشكل حاد؛ وقد يكون أحد الأسباب هو العداء الشعبي الشديد لهذه التكنولوجيا. وعلى المدى الطويل، فإن الجمع بين المنافسة المحتدمة والعائدات المخيبة للآمال قد يؤدي بحد ذاته إلى انهيار الاستثمار. ويلفت بنك التسويات الدولية إلى أن هذا هو التطور الذي حدث في طفرات استثمارية سابقة قادتها الابتكارات.

ثالثاً، قد تشهد الأوضاع المالية المسترخية اليوم تشديداً حاداً، نتيجة لحالة ذعر كلاسيكية في الأسواق. فنحن نشهد انكماشاً في علاوات المخاطر، وارتفاعاً في الرافعة المالية، وفوق ذلك كله، نمواً سريعاً للوساطة المالية غير المصرفية التي تتسم بالغموض النسبي وغياب التنظيم. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن مديونية القطاع الخاص في حد ذاتها لا تقل كثيراً عما كانت عليه في عام 2007.

رابعاً، بدأت الحكومات في الدول ذات الدخل المرتفع تفقد السيطرة على ماليتها العامة؛ فباستثناء حالات قليلة، تسجل هذه الدول عجزاً مالياً كبيراً، في حين بلغت متوسطات نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي مستويات لم تشهدها الأسواق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتواجه هذه الدول، خصوصاً في أوروبا، تحديات إضافية تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة وشيخوخة السكان.

كما أن أسعار الفائدة، الاسمية والحقيقية، وصلت لمستويات لم تسجل منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. وكما يجادل مانوج برادان وتشارلز غودهارت في كتابهما «المصرفي المركزي بلا ركيزة»، فإن أيام التضخم المنخفض وأسعار الفائدة القريبة من الصفر قد ولت وصارت من الماضي.

إحدى المساهمات الحديثة البارزة لبنك التسويات الدولية هو تسليط الضوء على التفاعل بين الدين الحكومي المرتفع وأسواق ديون القطاع العام.

وركز البنك خصوصاً على الدور المتنامي لصناديق التحوط في تمويل الحكومات؛ إذ تعتمد استراتيجيتها على الروافع المالية العالية، ما يزيد مخاطر حدوث موجات ذعر تتفكك فيها المراكز الاستثمارية بسرعة فائقة. وقد شهدنا مثل هذه الاضطرابات في بداية الجائحة، وتكررت مجدداً في بريطانيا خلال «صدمة ليز تراس» في سبتمبر 2022.

وبالنسبة للبنوك المركزية، فإن كل هذه العوامل مجتمعة تنذر بكثير من المتاعب. ويؤكد بنك التسويات الدولية أنها قد تقلص أيضاً هوامش الحرية المتاحة في السياسة النقدية.

علاوة على ذلك، فإن أي اضطرابات في الأسواق المالية من المرجح أن تقابل بدعم قوي من السلطات، إلا أن ذلك سيؤدي حتماً إلى تراجع المعنويات بدرجة أكبر. كما أن التحول الحالي نحو إزالة القيود التنظيمية للتمويل بشكل «مساير للدورة الاقتصادية» يزيد احتمالية وقوع هذا الخطر.

وأخيراً، برز هاجس جديد مقلق لبنك التسويات الدولية، وهو الترويج لـ «العملات المستقرة»، التي تدعي أنها مكافئة للنقود، لكنها لن تكون كذلك في أي أزمة. خلاصة القول، إن الاقتصاد العالمي مرن جزئياً لأنه كان محظوظاً، لكن الحظ ينفد في النهاية. وإذا كان للاقتصاد أن يحافظ على مرونته، فيجب أن يصبح أكثر قوة ومتانة؛ وتحقيق هذا الهدف يمثل الأولوية القصوى الآن.