«إلنينيو الخارق» يهدد بتقلب أسعار السلع الغذائية

ستيفن برنارد وكينزا برايان
أحد أقوى وأخطر الأنماط المناخية الطبيعية على كوكب الأرض قد بدأ بالفعل.

وقالت الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي، إن التحول في دورة الغلاف الجوي والمحيط الهادئ إلى المرحلة الدافئة، المعروفة باسم إلنينيو، تطور خلال الشهر الماضي مع ارتفاع درجات حرارة سطح البحر في المناطق الاستوائية الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ فوق معدلاتها الطبيعية.

وقد تجاوزت درجات حرارة سطح البحر في وسط المحيط الهادئ والمناطق الاستوائية عتبة 0.5 درجة مئوية، التي يعتمدها العلماء الأمريكيون لتعريف بداية هذه الدورة، وبلغ الارتفاع 0.7 درجة مئوية في أقصى الغرب، ووصل إلى 2.1 درجة مئوية في أقصى الشرق.

ورفعت الإدارة أيضاً احتمال حدوث ظاهرة احترار «شديدة جداً» إلى 63 % مقارنة بـ 35 % سابقاً، ويعني ذلك استمرار ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ بأكثر من درجتين مئويتين، ما سيجعل هذه الدورة من بين أقوى دورات إلنينيو المسجلة منذ بدء السجلات الحديثة عام 1950، لكن الجهات العلمية لا تعتمد المعايير نفسها لإعلان بدء إلنينيو، فبعد تعرض المكتب الأسترالي للأرصاد الجوية لانتقادات واسعة عندما تحولت توقعاتها لصيف حار وجاف لأمطار غزيرة وفيضانات شددت الهيئة معاييرها، وأصبحت تشترط تجاوز درجات حرارة البحر مستوى 0.8 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي.

ما تأثير إلنينيو على الطقس والتجارة العالمية؟

تكتسب الدورة الحرارية المتقلبة لإلنينيو في المحيط الهادئ أهمية كبيرة، لأنها تؤدي عادة إلى رفع درجات الحرارة عالمياً، وتفاقم الظواهر الجوية المتطرفة.

وفي العام الجاري قد تضيف ضغوطاً جديدة على الأنظمة الصحية والزراعية العالمية في وقت تعاني فيه الاقتصادات بالفعل من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وعموماً تؤدي ظاهرة إلنينيو إلى تفاقم كل من الجفاف والأمطار الغزيرة، كما تزيد احتمالات موجات الحر على اليابسة ،وفي البحار.

وقد أطلق الصيادون في أمريكا الجنوبية اسم «إلنينيو»، أي «الطفل الصغير» بالإسبانية، على هذه الظاهرة بعدما لاحظوا فترات من المياه الدافئة بشكل غير معتاد في المحيط الهادئ منذ القرن السابع عشر، أما الظاهرة المعاكسة، القائمة على تبريد المياه، فتعرف باسم «لانينيا» أو «الطفلة الصغيرة».

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية ترتبط إلنينيو عادة بزيادة الأمطار في أجزاء من جنوب أمريكا الجنوبية، وجنوب أمريكا، وبعض مناطق القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، وفي المقابل ترتبط بظروف أكثر جفافاً في أمريكا الوسطى وشمال أمريكا الجنوبية ومنطقة الكاريبي وأستراليا وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا.

وخلال صيف النصف الشمالي من الكرة الأرضية يمكن أن تسهم إلنينيو في زيادة نشاط الأعاصير في وسط وشرق المحيط الهادئ، بينما تقلل تشكل الأعاصير في المحيط الأطلسي، كما يمكن أن تتسبب في اضطراب التجارة والإنتاج الزراعي، وتراجع المصايد السمكية، وتضرر البنية التحتية، وارتفاع تكاليف النقل، وزيادة تقلب أسعار السلع الأولية، غير أن تأثيراتها ليست متشابهة في كل مكان، فعلى سبيل المثال تسببت دورة إلنينيو خلال عامي 2015 و2016 في أسوأ موجة جفاف بجنوب أفريقيا خلال 35 عاماً، وخفضت إنتاج الذرة في المنطقة بنحو الربع.

رغم ذلك لم يكن لها تأثير ملحوظ على معدلات تضخم أسعار الغذاء في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أن شدة الظاهرة ومدتها وتوقيت حدوثها والعوامل المناخية الأخرى المصاحبة ستحدد شكل تأثيراتها النهائية.

ويرى ريتشارد سيجر، عالم المناخ في جامعة كولومبيا، أنه حتى في حال حدوث إلنينيو قوية فلا يوجد ضمان بوقوع جميع هذه الآثار غير المباشرة.

هل ستكون هذه دورة «خارقة»؟

وصف بعض المراقبين دورة إلنينيو المقبلة بأنها «خارقة»، بل إن عالم المناخ الأمريكي، جيمس هانسن، وصف ظاهرة هذا العام بأنها «خارقة جداً»، لكن العلماء لا يستخدمون عادة هذا النوع من التصنيفات، فالإطار المعتمد للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية يتدرج من «ضعيفة» و«متوسطة» إلى «قوية» و«قوية جدا»، وتعتمد تقديراتها على نماذج توافقية تستند إلى أبحاثها الخاصة وإلى مراكز التنبؤ المناخي حول العالم، أما الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي فتعتمد معايير رقمية محددة، فارتفاع الحرارة بمقدار 0.5 درجة مئوية في المنطقة الاستوائية الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ، وفق متوسط متحرك لثلاثة أشهر، يصنف كونه ظاهرة ضعيفة، أما ارتفاع الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة فيعد متوسط الشدة، و1.5 درجة مئوية يصنف قوياً، بينما يعتبر ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين مئويتين أو أكثر مؤشراً على ظاهرة «قوية جداً».