توقع هيمنة أموال الذكاء الاصطناعي على انتخابات التجديد النصفي الأمريكية

جوناثان ديربيشاير
كان لافتاً بدرجة كبيرة ظهور جوش هاولي، السيناتور الجمهوري عن ولاية ميسوري الأمريكية مؤخراً في المؤتمر الوطني لنقابة سائقي الشاحنات. ومجرد حضور جمهوري يميل إلى اليمين ليُلقي كلمة أمام اجتماع نقابي يثير الكثير من التساؤلات.

وما قاله هاولي نفسه كان مثيراً لاستغراب أكبر. فقد هاجم جوش هاولي «المُروجين للذكاء الاصطناعي الذين يريدون استبدال كل وظيفة ممكنة بخوارزمية». وأضاف: «يجب أن نمنح العمال حقوقاً على الذكاء الاصطناعي في مكان العمل».

لقد تذكرتُ هجوم هاولي على رواد الذكاء الاصطناعي عندما قرأتُ ما نشرته صحيفة فاينانشال تايمز حول الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي التي جرت منذ أيام في الدائرة الانتخابية الثانية عشرة لمدينة نيويورك. فقد جرى استُهدف أليكس بوريس، عضو مجلس ولاية نيويورك والموظف السابق في شركة بالانتير التقنية، من خلال حملةٍ بلغت قيمتها 8 ملايين دولار من قِبل «ليدينغ ذا فيوتشر»، وهي لجنة عمل سياسي مدعومة من قِبل مانحين أثرياء لترامب، لإشعال منافسةٍ تحوّلت إلى حربٍ بالوكالة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي.

فقد تلقّى أليكس بوريس نفسه حوالي 18 مليون دولار من جماعاتٍ تدعم تشديد الإجراءات المنظمة للذكاء الاصطناعي، بما في ذلك جماعات مدعومة من شركة أنثروبيك، وهي شركة تُفضّل فرض قيودٍ أكثر صرامة على هذه التقنية الثورية مقارنةً بمنافسيها مثل «أوبن إيه آي».

في نهاية المطاف، خسر بوريس بفارقٍ ضئيل أمام ميكا لاشر، الذي استفادت حملته من سخاء عمدة نيويورك السابق مايكل بلومبيرغ. وكما قال بعد الانتخابات: «أراد بعض من أقوى الشخصيات على وجه الأرض أن يجعلوا من هذه الانتخابات عبرة للآخرين». وهو محق في ذلك، فقد لفتوا الانتباه أولاً إلى الأهمية المتزايدة للذكاء الاصطناعي كقضية انتخابية، وثانياً إلى استعداد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى للتمويل السخي للجان العمل السياسي التي تدعم المرشحين المؤيدين لتنظيمات متساهلة مع الذكاء الاصطناعي. ومن الواضح أننا سنشهد المزيد والمزيد من مثل هذا وأكثر خلال انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

وأحد الأسباب التي دفعت هذه «الشخصيات النافذة» إلى جعل أليكس بوريس عبرة للآخرين هو رعايته لتشريع «RAISE» في مجلس ولاية نيويورك، والذي سنّته الحاكمة كاثي هوتشول في ديسمبر من العام الماضي، ويهدف إلى وضع «معيار رائد على مستوى البلاد لشفافية الذكاء الاصطناعي وسلامته».

وقبل أسبوع من توقيع كاثي هوتشول على القانون، أصدر الرئيس دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 14365 الذي سعى إلى «إزالة العوائق أمام ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي»، ولا سيما التشريعات على مستوى الولايات مثل قانون RAISE التي تعتبرها الإدارة «مرهقة» للغاية.

وقد وضع دور بوريس المحوري في إقرار القانون اسمه في مرمى نيران منظمات مثل «قيادة المستقبل»، وهي لجنة عمل سياسي مدعومة من مؤسسي شركة أندريسن هورويتز، ورئيس شركة «أوبن أيه آي» جريج بروكمان، والمؤسس المشارك لشركة «بالانتير» جو لونسديل. وتقول هذه اللجنة إنها تروج لـ«أجندة إيجابية ومستقبلية للذكاء الاصطناعي»، وتسعى إلى تحديد ودعم «مرشحين مؤيدين للذكاء الاصطناعي في الانتخابات على مستوى البلاد»

ونتوقع أن نرى دوراً بارزاً ومؤثراً مالياً لـ«قيادة المستقبل»، ومجموعات مماثلة ليس فقط في انتخابات نوفمبر، بل في الانتخابات الرئاسية لعام 2028 أيضاً، لا سيما مع تزايد قلق الناخبين بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على تدمير الوظائف. كما يتوقع أن تنفق الجهات المضادة - مثل «تحالف الحواجز» و«يمكنك الدفع عكس ذلك» - مبالغ طائلة هي الأخرى.

ويتفق جو ميلر الكاتب في «فاينانشال تايمز» مع التوقعات بأن الأموال الطائلة التي يمتلكها لوبي الذكاء الاصطناعي ستلعب دوراً محورياً في الفترة التي تسبق انتخابات نوفمبر، لكنه يشير إلى أن كيفية إنفاق هذه الأموال لا تزال غامضة بعض الشيء، لأن حتى لجان العمل السياسي الصناعية ذات الموارد المالية الضخمة تجد صعوبة في التكيف مع التغيرات السياسية المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي.

وكان يمكن لفوز أليكس بوريس في الانتخابات أن يكون بمثابة صفعة قوية للجنة «قيادة المستقبل»، ورسالة إلى المرشحين في جميع أنحاء البلاد مفادها أنهم ليسوا بحاجة إلى الخوف من الحملات المكثفة من الجماعات مؤيدة للذكاء الاصطناعي.

لكن خسارة بوريس في الوقت نفسه اعتبرت نصراً باهظ الثمن للجنة «قيادة المستقبل». فقد أدى انخراطها في الانتخابات التمهيدية في مانهاتن إلى طرح تساؤلات حول مخاطر وضع الذكاء الاصطناعي في صدارة ما كان سيصبح سباقاً ديمقراطياً عادياً. وأجبر ذلك ميكا لاشر، الذي فاز بالانتخابات، على مواجهة التساؤلات وطمأنة الناخبين بأنه سيكون حازماً مع شركات الذكاء الاصطناعي تماماً كما كان أليكس بوريس سيفعل.

وأضاف لاشر في خطاب فوزه: «لديّ خبر مهم لشركتي الذكاء الاصطناعي العملاقتين اللتين أبديتا اهتماماً غير مألوف بمن يفوز بهذا المقعد في الكونغرس. لن أستقي توجيهاتي من أي منكما فيما يتعلق بحماية أطفالنا ووظائفنا وبيئتنا».

وتواجه اللجنة معضلةً أخرى في تحديد أولوياتها المستقبلية. فقد تحوّلت إعلاناتها في مانهاتن من طرح حججٍ داعمة لسياسات الذكاء الاصطناعي إلى تجنّب الموضوع تمامًا، وهو ما يُعدّ، ربما، اعترافًا بعدم وجود شريحةٍ من الناخبين ترغب في حماية شركات التكنولوجيا العملاقة.

وقد نأت شركة «أوبن إيه آي»، التي يُعدّ رئيسها بروكمان أحد الممولين الرئيسيين لـ«قيادة المستقبل»، بنفسها عن اللجنة، وهي الآن تدعم بعض تشريعات الذكاء الاصطناعي. وقد أكّدت «قيادة المستقبل» لاحقًا أنها تؤيد وضع بعض الضوابط، شريطة أن تُصاغ بالتعاون مع القطاع.

ومع إظهار استطلاعات الرأي إمكانية كسب أصوات كثيرة - بين التقدميين والمحافظين على حد سواء - من خلال اتخاذ موقف متشدد ضد الذكاء الاصطناعي، يصعب تحديد ملامح المرشح الأمثل. كما أظهرت الانتخابات الأخيرة وجود جماعات ممولة تمويلاً جيداً مستعدة لمضاهاة أي إنفاق مؤيد للذكاء الاصطناعي، لذا فإن التدخل في الانتخابات قد يأتي بنتائج عكسية.

والأرجح أن الحرب بالوكالة حول تنظيم الذكاء الاصطناعي ستستمر في إثراء المستشارين السياسيين ووكالات الإعلان، بينما يتنافس مليارديرات وادي السيليكون على لقب «المستغل الأكبر»، دون إحداث أي تغيير ملموس في واحدة من أهم القضايا في عصرنا.