أمريكا تتبنى نموذجاً جديداً يوسع قاعدة إنتاج الصواريخ بعد تقلص المخزون

جاكوب جودا

يبدو المبنى الواقع في شمال شرقي ولاية فرجينيا متواضعاً للغاية، لكن في داخله تصطف صفوف من الصواريخ بانتظار تجهيزها من قبل فنيين شباب استعداداً لأي حرب أمريكية قادمة. ويقول دوغ دينيني، وهو من قدامى المحاربين الذي تستأجر شركته الدفاعية «كو-أسباير» المستودع:

«هذا المكان مجهز بالكامل تحسباً لأي طارئ يستدعي منا التحرك بسرعة فائقة». ويمر دينيني مسرعاً بين عشرات مسطحات العمل حيث تُركّب الرؤوس الحربية في الصواريخ ذات الرؤوس المكشوفة. وتم تصميم ورش العمل هذه لحل مشكلة ظهرت تأثيراتها أخيراً بوضوح.

فالولايات المتحدة لا تنتج ما يكفي من الصواريخ، والنوعيات التي تنتجها باهظة الثمن بشكل مبالغ فيه. ومع تناقص مخزون الذخائر في البلاد خلال حرب إيران أصبح إيجاد طرق للإنتاج السريع والرخيص وعلى نطاق واسع تحدياً ملحاً بشكل متزايد.

ولو عملت الولايات المتحدة بكامل طاقتها، لاحتاج البنتاغون إلى سنوات بدلاً من أشهر لاستبدال الصواريخ التي أُطلقت خلال حرب إيران. وعلى سبيل المثال، تنتج أمريكا 600 صاروخ توماهوك فقط سنوياً، وتبلغ تكلفة الصاروخ الواحد نحو 2.6 مليون دولار.

ويقول مايكل هورويتز، المسؤول السابق في البنتاغون: «تعتمد الترسانة الأمريكية بشكل حصري على أنظمة أسلحة متطورة، لكنها باهظة الثمن وعمليات إنتاجها صعبة إنتاجها، لكننا دخلنا الآن حقبة مختلفة من الحروب، لذلك يتعين على الولايات المتحدة التغير».

وثمة مؤشرات على أن هذا التغيير بدأ يحدث، فهناك عدد كبير من المشاريع التجريبية إلى جانب إطلاق برامج لاقتناء الصواريخ والطائرات المسيّرة. وطلب سلاح الجو الأمريكي بالفعل تخصيص نحو 12 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة لشراء 28 ألف صاروخ.

كما كشف البنتاغون الشهر الماضي عن برنامج آخر يتضمن شراء 10 آلاف صاروخ أرضي الإطلاق على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

من حيث المبدأ، يمكن إنتاج بعض هذه الصواريخ بكميات كبيرة وبتكلفة زهيدة في منشآت مصممة لتنتشر في جميع أنحاء أمريكا عند اندلاع الحرب. يقول دينيني، واقفاً بجانب صواريخ أسلاكها المتشابكة تنتظر توصيلها بلوحات الدوائر: «يمكنك بناء هذا في صالة ألعاب رياضية بمدرسة ثانوية».

وفي المستودع الذي يعمل فيه دوغ دينيني، ويتم تشبيهه بنموذج توسع ماكدونالدز لكن في قطاع صناعة الصواريخ، لا توجد آلات معقدة، فالصاروخ بسيط للغاية لدرجة أنه يكفي لبنائه اتباع تعليمات من دفتر ملاحظات.

ويمكن خلال شهر واحد تدريب ميكانيكي جديد مزود بأدوات يدوية على تجميع هذه الصواريخ. وهناك عدد من الطابعات ثلاثية الأبعاد تعمل على مدار الساعة لإنتاج أجزاء الصاروخ بجانب مكاتب المهندسين.

وشركة «كو-أسباير» هي واحدة من عدد من الشركات الناشئة في مجال الدفاع والمجموعات التقنية، مثل أندوريل، التي تتخذ من ولاية أوهايو مركزاً للإنتاج وتحاول تسريع وتيرة الابتكار في هذا المجال.

ونجحت الشركة، التي تعمل على صاروخين للبنتاغون، في إتقان إنتاج الصاروخ الأول خلال أربعة أشهر، وتتوقع الانتهاء من الثاني في غضون خمسة أشهر.

من جانبها، تعاقدت شركة كاستيليون، وهي شركة ناشئة عمرها ثلاث سنوات فقط، على إنتاج أكثر من 12 ألف صاروخ فرط صوتي خلال خمس سنوات. وبمجرد أن يبدأ موقعها في نيو مكسيكو في العمل بكامل طاقته، تتوقع الشركة أن تتمكن من إنتاج 6 آلاف صاروخ سنوياً بتكلفة تقارب 400 ألف دولار للصاروخ، وهي تسعى أيضاً إلى بناء مرافق إنتاج جديدة في مواقع أخرى.

وقال أندرو كريتز، الشريك المؤسس المدير التنفيذي السابق في شركة سبيس إكس: «الإنتاج الكمي مهم، والتكلفة مهمة، والتوافرية مهمة»، مضيفاً أنه يجب عليك منذ البداية تصميم شيء سهل التصنيع ومنخفض التكلفة، ويجب أن ينعكس ذلك على جميع قراراتك الهندسية».

وعلى سبيل المثال، صممت شركة كو-أسباير أحدث صواريخها بحيث يُبنى في الغالب من أجزاء متوفرة تجارياً، بما في ذلك محركات صُممت في الأصل لهواة الطائرات المسيّرة عن بُعد. أما شركة كاستيليون فقد لجأت إلى مكونات تُستخدم عادة في السيارات.

وقال فابيان هوفمان، الأستاذ بجامعة أوسلو: «من المؤكد أنه من الممكن زيادة الإنتاج بآلاف الصواريخ سنوياً لدى كل من هذه الشركات المصنعة في وقت السلم»، مضيفاً أن الأموال التي تُضخ في الإنتاج خلال الحرب ستُمكّن هذه الشركات من إنتاج آلاف الصواريخ شهرياً.

وقد استعدت الولايات المتحدة لعقود لحملات الصدمة والترويع باستخدام أسلحة متطورة، لكن البنتاغون الذي يراقب أوكرانيا، أظهرت دراساته المعمقة أن الحرب الاستنزافية عالية الكثافة هي لعبة أرقام.

وقد عززت تجربة حرب إيران هذا الاستنتاج: إنتاج صواريخ مناسبة لحرب سابقة قد يؤدي إلى خسارة الحرب القادمة. كما لم تعد ضرورة إنتاج الصواريخ بكميات كبيرة قابلة للنقاش في البنتاغون، فقد قدّر المحللون قبل حرب إيران، واستناداً إلى محاكاة مناورات الحرب، أن الولايات المتحدة قد تستنفد بعض مخزوناتها الرئيسية في غضون أسابيع من نشوب صراع مع الصين.

من شأن المخزونات الأكبر أن تضمن لأمريكا القدرة على خوض حرب طويلة الأمد بإطلاق مئات الصواريخ الدقيقة يومياً، مع قوة أكبر وسرعة أعلى من الطائرات الهجومية أحادية الاتجاه التي أصبحت شائعة في أوكرانيا والشرق الأوسط.

وبالمثل، بدأت الولايات المتحدة في تطوير خط إنتاجها من الطائرات المسيّرة، فقد استخدمت طائرة «لوكاس»، وهي طائرة هجوم أحادية الاتجاه تمت هندستها عكسياً من قبل شركة «سبيكتر وركس» الناشئة استناداً إلى طائرة «شاهد-136» الإيرانية، للمرة الأولى في القتال قبل أشهر.

ويسعى البنتاغون إلى البدء في إنتاجها بكميات كبيرة، وقد طلب زيادة الإنفاق على الطائرات بدون طيار والتقنيات ذات الصلة إلى ثلاثة أضعاف ليصل إلى أكثر من 74 مليار دولار في العام المقبل.

في ولاية فرجينيا، تكتّم دوغ دينيني بشركة «كو-أسباير» بشأن الجهة التي تشتري صواريخها، لكنه أوضح جلياً أنه يمكن أن يكون لهذه الصواريخ تأثير، حتى في زمن السلم.

وقال: «إنها تُحدث أثراً رادعاً بالغاً لأن خصومنا سيدركون أننا قادرون على إنتاج هذه الصواريخ بسرعة وبتكلفة زهيدة، وبناء مخزونات منها».

لكن الأمور قد لا تسير بالسلاسة المتصورة، حيث يشير توم كاراكو، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أنه سيتعين على البنتاغون أن يتقبل حقيقة أن الأسلحة الأرخص لن تكون بنفس دقة وموثوقية الأسلحة السابقة، وهذا يعني أن القوات المسلحة الأمريكية ستحتاج إلى أن تكون أكثر مرونة في متطلباتها.

ويقول: «لا يمكننا تحقيق القدرة الإنتاجية دون تلبية احتياجات العميل أولاً»، مضيفاً أن الصناعات الدفاعية هي قطاعات تتطور بمرور الوقت لصالح عميل واحد. وسيتطلب الأمر طلبات ضخمة من البنتاغون لتمكين المجموعات الدفاعية من التوسع واختبار وتطوير أسلحة جديدة.

في الوقت نفسه، يمكن للصواريخ الأبسط أن توفر فوائد أخرى، فهي تقلل الوقت اللازم لتدريب الجنود الجدد على استخدامها، لا سيما بالنظر إلى مدى تعقيد أنظمة تشغيل أنظمة الصواريخ القديمة.

ويقول جون فيراري، القائد العام السابق لميدان وايت ساندز للصواريخ حيث يختبر البنتاغون الصواريخ الجديدة: «يجب أن يكون استخدامها بديهياً بالنسبة لهم. ويجب لذلك تصميم البرمجيات بحيث يستخدمها الجنود بنفس الطريقة التي يستخدمون بها هواتفهم الذكية».