ما الذي يمكن لكيفن وارش أن يتعلمه من الراحل آلان غرينسبان؟

توفي منذ أيام آلان غرينسبان الرئيس الأسبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لكن تأثيره الراسخ على مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيبقى قائماً. وقد استشهد به رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الجديد، كيفن وارش، مراراً وتكراراً في جلسات الاستماع والتعليقات، ما يُعد دليلاً على أن فكر سلفه - الذي سبقه بثلاثة رؤساء - لا يزال حاضراً في فكره.

وبصفته رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لما يقرب من عقدين، حقق غرينسبان نجاحات كبيرة مع الإقرار في الوقت نفسه بوجود إخفاقات ملحوظة. ومن الأفضل لوارش أن يدرس كلا الأمرين. وكان من بين أهم إسهامات غرينسبان إرساء عهد جديد في صنع السياسات الاقتصادية القائمة على البيانات.

قد يبدو للمراقب المعاصر أن اهتمام رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي بكميات هائلة من البيانات الاقتصادية أمر بديهي. لكن المشهد الاقتصادي الذي ورثه غرينسبان بعد الحرب كان أقل اعتماداً على البيانات الكمية بكثير من المشهد الحالي.

وبصفته مستشاراً اقتصادياً في بداية حياته المهنية، ومهووساً بإحصائيات البيسبول في حياته الشخصية، كان لدى غرينسبان ميل شخصي قوي نحو دراسة مجموعة واسعة من البيانات.

وهو بالفعل يستحق الثناء كرائد في هذا المجال. وقد اتبع كل رئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي منذ ذلك الحين هذا النهج خلال فترة ولايته، وسيكون من الحكمة أن يحذو وارش، الذي انتقد اعتماد الاحتياطي الفيدرالي على البيانات، حذوه.

كما جسد نهج غرينسبان في السياسة النقدية مرونة جديرة بالإعجاب. فخلال فترة ولايته، التزم إلى حد كبير بهدف تضخم غير معلن بنسبة 2 %، لكنه لم يُعطِ الأولوية المطلقة له.

فقد أولى غرينسبان اهتماماً بالغاً بسوق العمل والأجور والنمو وبيانات الأعمال. وكان تقديره للأمور حاسماً لتمكين البنك المركزي من الوفاء بولايته في أوقات الأزمات. ومن المهم والمرجح أن يتبع وارش نهج غرينسبان المرن، لكن يبقى أن نرى أي المؤشرات سيعطيها وارش الأولوية.

ويمكن القول إن أهم دروس عهد غرينسبان تكمن في إخفاقات صنع القرار الناجمة عن قصور في الرؤية الأيديولوجية. فحتى في تركيزه على البيانات، كان من الممكن أن يكون قصير النظر، إذ طغى إلمامه الواسع ببيانات قطاع الأعمال على التحليل الدقيق للاقتصاد الكلي. ومنعه تمسكه بأصول السوق الحرة من التفكير في مخاطر عدم استقرار الائتمان وتفاقم الاختلالات المالية.

وكانت عواقب ذلك واضحة: فقد أدت أسعار الفائدة المنخفضة إلى ائتمان رخيص، الأمر الذي، كما توقع ويليام وايت، مستشار بنك التسويات الدولية، خلق فقاعات ضخمة خلال الأزمة المالية العالمية. وغذت الاختلالات العالمية وقوع صدمة الصين في أوائل العقد الأول من الألفية الثانية، والتي دمرت قطاعات أمريكية بأكملها.

ولا يمكن إلقاء اللوم على قصر نظر غرينسبان بشكل مباشر في أي من الأمرين، ولكن لو تخلى عن إيمانه المطلق بالأسواق الحرة غير المقيدة، لكان من الممكن تجنب ضرر لا داعي له.

وإذا عاد وارش إلى موقفه المتساهل الذي تبناه العام الماضي، فعليه أن يدرك مخاطر السياسات التوسعية التي تتجاوز التضخم فقط. كما يجب ألا يتخذ موقفاً جامداً تجاه الأسواق، أو أن ينخدع بإغراءات وول ستريت ووادي السيليكون.

ولا يزال أمام وارش معضلة جوهرية اشتهرت بها فترة غرينسبان: ما يعرف بـ«ضمانة غرينسبان». فقد ترسخ الاعتقاد بأن رئيس الاحتياطي الفيدرالي يدعم سوق الأسهم الأمريكية بأشكال مختلفة منذ عهد غرينسبان، وقد تترتب على ذلك عواقب وخيمة، حتى وإن لم يكن رئيس الفيدرالي نفسه يتبنى هذا الرأي.

لذا، من المفيد لوارش أن يبدد هذا الاعتقاد مبكراً: فعدم القيام بذلك قد يشجع على المخاطرة المفرطة في بيئة سوقية متقلبة أصلاً. ولا يعني ذلك بالمرة تجاهل ردود فعل سوق الأسهم، ولكن عليه أن يبذل قصارى جهده لدحض فكرة أن الاحتياطي الفيدرالي ينظر إلى مستوى سوق الأسهم كغاية في حد ذاته.