الضغوط تتزايد على «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» قبيل طرحهما للاكتتاب العام

ريتشارد ووترز
اعتبر البعض برمجيات المصادر المفتوحة في بداياتها تهديداً وجودياً. وحذّر ستيف بالمر، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، في إحدى المناسبات، من أن البرمجيات مجانية الاستخدام والتعديل قد تتحول إلى «سرطان»، حيث سيصعب على شركات البرمجيات التجارية تحقيق الربح من ملكيتها الفكرية. لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. 

فقد حققت المصادر المفتوحة نجاحاً باهراً: إذ طور ووزع جزء كبير من برمجيات البنية التحتية التي تشكل جوهر أنظمة تكنولوجيا المعلومات في الشركات باستخدام أساليب المصادر المفتوحة.

واتضح أن هذا يكمل أنواعاً أخرى من البرمجيات، ما يفسح المجال واسعاً لصناعة البرمجيات التجارية.

ويطرح السؤال نفسه بقوة أكبر في مجال الذكاء الاصطناعي: هل هي مكمل أم هو تهديد وجودي؟ وحتى الآن، تجاهلت وول ستريت هذا التهديد إلى حد كبير.

وسرعان ما تلاشت الصدمة التي أحدثها نموذج R1 من «ديب سيك» مطلع العام الماضي - وهو نموذج استدلال متطور تم إصداره كمصدر مفتوح وطور بتكلفة زهيدة مقارنة بمنافسيه الأمريكيين.

وكان التفوق الكبير الذي حققته مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة كافياً لجذب العملاء. وفي الوقت نفسه، عززت القدرات الجديدة المضافة إلى بعض النماذج، مثل «كلود كود» من «أنثروبيك» قيمتها في مهام محددة، ما أدى إلى انتشار استخدامها بشكل كبير.

وقد تتغير الأمور كثيراً. ومن المؤشرات على ذلك الإصدار الذي خرج هذا الشهر لأول نموذج مفتوح المصدر تحت اسم «جي إم إل» 5.2 من مختبر «تشيبو» الصيني - الذي حقق تكافؤاً مع النماذج الرائدة في معايير الأداء الأكثر شيوعاً. وتعد هذه المقاييس التقنية ذات قيمة كبيرة بحد ذاتها، ولكن كان لاستقبال النموذج الإيجابي كوكيل برمجة أهمية بالغة.

ويشير ذلك إلى أن «أدوات» البرمجيات التي طورتها المختبرات الأمريكية - والتي توجه نماذجها خلال مهام مثل البرمجة - قد لا تكون عاملاً دائماً للتميز مثلما تأمل.

ويأتي هذا في وقت يواجه فيه العديد من العملاء صدمة من ارتفاع فواتير الذكاء الاصطناعي، ما يزيد الضغط عليهم لنقل الأجزاء الأقل تطلباً من مهام الذكاء الاصطناعي إلى نماذج أرخص.

ولا يشترط أن يكون الضغط لتقسيم السوق وفقاً لمتطلبات الذكاء الاصطناعي المختلفة خبراً سيئاً تماماً للمختبرات الرائدة، بل هو مؤشر على نضج السوق المتزايد. وبعد فترة من الانخفاض السريع في الأسعار، أصبحت المختبرات نفسها أكثر دقة في تسعير منتجاتها.

وعلى سبيل المثال، حددت شركة أنثروبيك سعر الرموز المميزة التي ينتجها نموذج «فايبل 5» - أول إصدار واسع النطاق لنموذجها المثير للجدل «ميثوس» بضعف سعر نموذجها الرائد السابق.

إذا كان بإمكان مستخدمي «فايبل 5» إنجاز المزيد برموز أقل، كما تدعي الشركة، فإن فرض رسوم إضافية يبدو مبرراً.

ويكمن التحدي في إقناع العملاء بأن هذه الرسوم الإضافية تستحق الدفع. كما أن هذا الأمر سيصبح أكثر صعوبة مع ظهور فئة جديدة من الوسطاء لمساعدة المستخدمين على توزيع مهامهم بين نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة.

تشمل هذه الأنظمة نموذج «فوجو ألترا» الياباني، الذي أطلق هذا الأسبوع، ويؤكد قدرته على تحقيق أداء فائق من خلال تقسيم المهمة بين نماذج أساسية مختلفة تقدمها شركات أخرى.

وإذا ما دفعت هذه النماذج الجديدة نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة إلى الخلفية، فسيزداد خطر تحويلها إلى سلعة.

وقد وفر الخلاف مع إدارة ترامب، الذي أجبر شركة «أنثروبيك» على إيقاف وصول العملاء الخارجيين إلى برنامج «فايبل 5» هذا الشهر، المزيد من التشجيع لمناصري البرمجيات مفتوحة المصدر.

ومنح ذلك العملاء حافزاً إضافياً لتقليل اعتمادهم على مورد واحد، فيما منح في الوقت نفسه ميزة تسويقية لشركات البرمجيات مفتوحة المصدر التي يمكن للعملاء تشغيل نماذجها على خوادمهم الخاصة، بعيداً عن متناول الجهات التنظيمية.

لكن من المفارقة أن إيقاف برنامج «فايبل 5» قد يكون ضاراً أيضاً بعالم البرمجيات مفتوحة المصدر.

فقد عبرت المختبرات الأمريكية منذ فترة طويلة عن رأيها بأن جزءاً كبيراً من الأداء الذي حققته الشركات المنافسة مفتوحة المصدر يأتي من نسخ أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة بشكل غير قانوني.

وحتى قبل تحرك واشنطن، هددت شركة أنثروبيك بتخفيض تصنيف برنامج «فايبل 5» إذا اشتبهت في أي نوع من إساءة الاستخدام، ما أثار ردود فعل غاضبة من المستخدمين الذين اعتبروا ذلك شكلاً قاسياً من أشكال الرقابة.

ويزيد كل هذا من الضغط على أنثروبيك و«أوبن إيه آي» وهما تستعدان لطرح أسهمهما للاكتتاب العام.

فهل بإمكانهما الحفاظ على توزيع واسع النطاق لأحدث نماذجهما مع الحد من مخاطر الانتحال الأدبي وإقناع واشنطن بقدرتهما على منع إساءة الاستخدام؟ وهل ستتمتعان بالقدر الكافي من التميز للحفاظ على قدرتهما على تحديد الأسعار وتغطية نفقاتهما الضخمة؟

لقد تمكنت شركات البرمجيات التقليدية من الدفاع عن برمجياتها التجارية الاحتكارية، حتى مع انتشار البرمجيات مفتوحة المصدر. والآن، يتعين على مختبرات الذكاء الاصطناعي أن تحذو حذوها.