فجوات عميقة في السياسة البريطانية في ظل دوامة تغيير رؤساء الوزراء

كاميلا كافنديش
قبل ما يزيد على سبعة عشر عاماً؛ أي قبل الأزمة المالية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وخلال الفترة السابقة لانخراط بريطانيا في دوامة تغيير رؤساء الوزراء، أثار وزير شاب متحمس من حزب العمال الكثير من الجدل عندما صرح بأن الكثيرين عالقون في دوامة الإعانات، وأن على الأغلبية انتظار مقابلات العمل. 

وفي ورقته البيضاء التي قدمها عام 2008 عرض وزير العمل والمعاشات هذا المقترح على متلقي الإعانات «صفقة عادلة: المزيد من الدعم، مقابل توقعات أعلى».

وقال، مستشهداً بهيربرت موريسون، الذي شغل منصب نائب رئيس وزراء المملكة المتحدة، وتوفي عام 1965، إن هذه الصفقة كانت دائماً أساس دولة الرفاه. هذا الرجل، هو جيمس بورنيل، المرشح الآن ليصبح رئيساً لموظفي آندي بورنهام. يُعد تعيينه أحد المؤشرات المشجعة على أن خليفة حزب العمال سيعين في حكومته أشخاصاً ناضجين ذوي خبرة وواقعيين.

إن إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية من النوع، الذي اقترحه بورنيل، أقل شعبية لدى حزب العمال الآن مما كان عليه آنذاك، ومع ذلك يبقي هذا الوضع على بصيص أمل في أن يتبنى بورنهام الفكرة الجماعية القديمة القائلة إن على المواطنين مسؤوليات مقابل حقوقهم، وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن المجتمع يتآكل بفعل شعور بأن البعض يفلتون من العقاب، فالأطباء يصدرون إجازات مرضية للمرضى، والضرائب ترتفع بينما تتدهور الخدمات، والأموال العامة تهدر على تحقيقات عامة استعراضية وعمليات شراء معيبة.

وغالباً ما يتحدث وزراء حزب العمال وكأن خيبة أمل العامة تقتصر على غلاء المعيشة، لكنها في الواقع تتعلق أيضاً بتزايد الاعتقاد بأن الحكومة ليست في صفهم، فبحسب استطلاع رأي أجرته مؤسسة «مور إن كومون» الشهر الماضي يعتقد 44 % من البريطانيين أن «الحكومة لا تحترم أمثالي على الإطلاق».

ويقول عدد أكبر من الناس الآن، إن حزبي «الإصلاح» و«الخضر» أكثر ميلاً من حزب العمال إلى «احترام من يعملون بجد»، و«احترام من يفعلون الصواب»، لذا على رئيس الوزراء القادم أن يغير هذا الوضع، ليس فقط من أجل بقائه، بل لاستعادة وحدة البلاد، والتعاطف سيكون بداية جيدة، وبورنهام يمتلكه بلا شك، لكن مع مغادرة السير كير ستارمر لمغادرة منصبه يصعب تجاهل إرثه الذي يُصوَّر كونه حملة انتقامية طويلة الأمد ضد الطموحين: المزارعين، وأصحاب العمل، وملاك العقارات، وقدامى المحاربين.

إن الخطابات وحدها لن تصلح الأمور، فالمملكة المتحدة ترزح تحت وطأة القيود المفروضة، وكان من أبرز شعارات ستارمر تعهده بأن «تُخفف السياسة من وطأة الحياة على الناس»، لكن بعد عامين تعاني البلاد من موجة عارمة من الضرائب الجديدة، وحقوق العمل، والمراجعات القضائية، والقيود المفروضة على ملاك العقارات، لدرجة أن أولئك الذين لم يبيعوا عقاراتهم بعد يدفعون لوكلاء إدارة العقارات.

وهناك طرق أكثر من أي وقت مضى يمكن أن يقع فيها الناس الشرفاء ضحية لسلطة الدولة. خذ على سبيل المثال عامل تنظيف النوافذ، الذي اشترى مؤخراً جهاز كمبيوتر، لأنه شعر بالخوف الشديد من خطة الحكومة الجديدة الكارثية، «جعل الضرائب صعبة» (أو «رقمية»).

هو ووالده المسن يجرّان سلمهما ودلاءهما بانتظام في الشارع الذي أعيش فيه منذ ثلاثين عاماً، وهما جديران بالثقة لدرجة أنك تستطيع أن تعطيهما مفتاح بابك، لكن مصلحة الضرائب والجمارك البريطانية تجبر أصحاب الأعمال الحرة مثلهما على شراء برامج محاسبية خارجية، وحفظ الإيصالات إلكترونياً، وتقديم إقرارات ضريبية ربع سنوية بدلاً من إقرار واحد.

هذا العامل كان يخشى ارتكاب الأخطاء، لدرجة أنه أنفق مبلغاً كبيراً على جهاز كمبيوتر محمول لم يكن بحاجة إليه.

ويعد نظام «الضرائب الرقمية» مثالاً كلاسيكياً على تجاوزات المهنيين المنفصلين عن الواقع. مراراً وتكراراً يساعد هؤلاء الأشخاص السياسيون على فرض المزيد من التعقيدات، ويكفي أن نعلم أن قانون الضرائب البريطاني وصل الآن إلى 22,000 صفحة، بل قد تعني الرغبة في التطوع لخدمة المجتمع دفع ما لا يقل عن 21.50 جنيهاً استرلينياً لفحص السجل الجنائي، وغالباً ما يصل إلى 49.50 جنيهاً استرلينياً.

في الوقت نفسه تُجبر لوائح القطاع العام الموظفين الأكفاء على الاختيار بين مساعدة الناس فعلياً، والتحديق في الشاشات، وكما قال لي أحد ضباط السجون مؤخراً: «لو التزمنا بكل الشروط لما قمنا بالعمل الحقيقي أبداً».

وعندما تُنفق الحكومة أموالنا لتزيد من صعوبة حياتنا يبدأ العقد الاجتماعي بالتآكل، وقد ينشأ نوع من الاستياء ذي المحصلة الصفرية. يميل المشاركون في استطلاع «المزيد من القواسم المشتركة» إلى الاعتقاد بأن الحكومة تُحابي الأغنياء، أو طالبي اللجوء، أو متلقي الإعانات الاجتماعية، وذلك بحسب توجهاتهم السياسية، وهذه أرض خصبة للشعبوية.

إن بورنهام سيسعى مدفوعاً بفوزه في الانتخابات الفرعية في ماكرفيلد الأسبوع الماضي إلى توحيد اليسار ضد حزب «إصلاح المملكة المتحدة»، لكن بدلاً من مجرد مهاجمة نايجل فاراج عليه أن يستمع إلى ما يقوله مؤيدو الحزب.

لقد تعاملت بعض فئات الطبقة السياسية، ووسائل الإعلام، بتعالٍ مع هؤلاء الناخبين وتجاهلتهم لعقود، في الفترة التي سبقت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما بعده، ومن الأسهل تصوير الناس على أنهم عنصريون بشكل عشوائي بدلاً من الاعتراف بأن العولمة لم تكن في صالح الجميع، وأن الجيران يستاؤون ممن يشتبهون في تزويرهم للمساعدات الاجتماعية، وأن وصول القوارب الصغيرة كان فشلاً ذريعاً للدولة، وأن السلوك المعادي للمجتمع والهجرة الجماعية قد أثّرا بالفعل على المجتمعات البعيدة عن لندن الكبرى.

الأصعب الآن على نواب حزب العمال هو الاعتراف بأن الدولة غالباً ما تكون عدواً لا صديقاً، ولها قيم مختلفة تماماً عن قيم العديد من ناخبيهم.

هناك فراغ في السياسات، حيث كانت الثقة موجودة، والجميع في أمس الحاجة إلى النمو الاقتصادي، الذي يتسم موقف بورنهام منه بالغموض المقلق، لكننا نحتاج أيضاً إلى حكومة تعامل دافعي الضرائب باحترام، وقد حذر الاشتراكي المسيحي آر إتش تاوني من «انهيار المجتمع على أساس الحقوق المنفصلة عن الواجبات»، وهو ما كان توني بلير يستشهد به.