مكاسب الدولار تهوي بعملات الأسواق الناشئة

هارييت كلارفيلت

معظم العملات شهدت انخفاضاً ملحوظاً حيث تراجعت 23 عملة أمام الدولار خلال الربع الجاري

أدى ارتفاع قيمة الدولار، مصحوباً بسلسلة أخبار سلبية، إلى أكبر موجة بيع لعملات الأسواق الناشئة، منذ أن بدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بشكل حاد قبل عامين.

وتراجع مؤشر «جيه بي مورجان» لعملات الأسواق الناشئة بأكثر من 5 %، خلال فترة الشهرين ونصف الشهر الماضية، ما يضعه على مسار تسجيل أكبر انخفاض ربع سنوي له منذ سبتمبر 2022.

وشهدت معظم العملات انخفاضاً ملحوظاً، حيث تراجعت 23 عملة على الأقل، وفقاً لبيانات «بلومبرغ»، أمام الدولار، خلال الربع الجاري. وتسجل العملة الخضراء مكاسب منذ أواخر سبتمبر، باعتبارها واحدة من أكبر المستفيدين من «تداولات ترامب»، التي تعززها التوقعات بأن الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، سيفرض تعريفات جمركية شاملة، وسيعمل على الإفراط في تيسير السياسة المالية، عند توليه مهام منصبه الشهر المقبل.

وقال بول ماكنمارا المسؤول الرئيس عن أسواق وعملات الأسواق الناشئة لدى صندوق «جي إيه إم»: «يحتل الدولار بلا شك صدارة» المحركات وراء ضعف عملات الأسواق الناشئة.

وكان ترامب أعلن الشهر الماضي، أنه سيفرض رسوماً 25 % على كافة الواردات من المكسيك وكندا، وهي سوق متقدمة، علاوة على رسوم إضافية قدرها 10 % على السلع الصينية. وانخفض البيزو المكسيكي بنسبة 2.1 % هذا الربع، بينما تراجع اليوان الصيني الخارجي بمقدار 3.7 %.

على نطاق أوسع، تقهقر الراند الجنوب أفريقي، الذي عادة ما ينظر إليه باعتباره مؤشراً على المعنويات في الأسواق الناشئة، لسهولة تداوله، مقارنة بعملات أخرى، بواقع 2.4 % منذ نهاية سبتمبر الماضي.

وحتى عند احتساب الفائدة المكتسبة من حيازة الأصول بالعملة المحلية، فإن العملات التي حققت عوائد إيجابية للمستثمرين هذا الربع، كانت فقط عملات الدول التي تعتبر عالية المخاطر، مثل تركيا والأرجنتين.

كما أثر اتساع عمليات البيع بعد الانتخابات، بظلاله على تداولات «كاري»، ويُقصد بذلك اقتراض المستثمرين بعملات ذات فائدة منخفضة، مثل الدولار أو الين الياباني، لشراء عملات أسواق ناشئة مرتفعة العائد.

وقد أثر اتساع موجة البيع التي أعقبت الانتخابات أيضاً، في ما يسمى بتجارة المناقلة، وهي استراتيجية يستخدمها المستثمرون، حيث يقترضون بعملات ذات أسعار فائدة أقل، مثل الدولار أو الين، لشراء عملات الأسواق الناشئة ذات العائد الأعلى.

وكانت المرة الأخيرة التي سجلت فيها عملات الأسواق الناشئة أكبر خسائر ربعية في عام 2022، عندما شدد الفيدرالي سياسته النقدية، لكبح التضخم الجامح.

وتسبب اتساع فجوة الفائدة بين الولايات المتحدة والأسواق الناشئة، في زيادة الضغوط على عملات هذه الدول، بينما واصلت أسعار الفائدة الأمريكية ارتفاعها. وبذلك، أدت الخسائر الأخيرة في عملات الأسواق الناشئة، إلى اتجاه مؤشر «جيه بي مورجان» للأسواق الناشئة، نحو انخفاضه السنوي السابع على التوالي.

وقال محللون إن ضعف البيزو المكسيكي، يمكن إرجاعه بحد كبير إلى التطورات على صعيد التعريفات الجمركية، لكنهم أوضحوا أن المسألة أكثر تعقيداً بالنسبة لعدد من عملات الأسواق الناشئة، إذ تتعرض بعض هذه العملات لضغوط، جراء تحديات مرتبطة بالدول نفسها.

وذكر تيري وايزمان الخبير الاستراتيجي العالمي في الصرف الأجنبي والفوائد لدى «ماكواري»: «هناك تضافر للأنباء غير السارة في الأسواق الناشئة». وسلط الضوء على الصين، لافتاً إلى «المخاوف بشأن تباطؤ الاقتصاد المحلي، واحتمالات مواصلة المصرف المركزي تيسير السياسة النقدية». وأشار كذلك إلى البرازيل، منوهاً بـ«المخاوف بشأن أوجه العجز واستدامة الديون».

وانخفضت عوائد السندات الحكومية الصينية لأجل 10 أعوام دون 2 %، إلى أدنى مستوياتها منذ 22 عاماً، مع رهان المتداولين على مواصلة المصرف المركزي خفض الفائدة، للمساعدة في تحفيز الاقتصاد.

كما تراجع الريال البرازيلي إلى مستويات منخفضة قياسية في الأسابيع الأخيرة، وانزلق مخترقاً عتبة 6 مقابل الدولار، للمرة الأولى على الإطلاق، لأن تعهد الحكومة الجديدة بتحقيق 70 مليار ريال (ما يعادل 12 مليار دولار)، في وفورات للتكاليف، لم يكن مفيداً بشكل كبير في تقليل المخاوف بشأن مالياتها العامة.

وقال إدوارد الحسيني الخبير الاستراتيجي في أسعار الفائدة العالمية لدى «كولومبيا ثريدنيدل»: «البرازيل لديها أزمة مالية بين يديها». وتابع: «توجد لدى المكسيك مستويات ضعيفة استثنائية من الإنتاجية والنمو والاستثمار، مقارنة باقتصاد يعد الشريك التجاري الأكبر للولايات المتحدة»، موضحاً أن هناك أيضاً مشكلات تعتري جودة دستورها ومؤسساتها، بعد الإصلاحات القضائية الأخيرة.

وفي حين قال إن الأسواق الناشئة بصفة عامة «لم تكن تجتذب تدفقات رأسمالية»، لكنه أشار إلى أن «كل هذه الدول لديها بعض القضايا الخاصة، والأكثر إثارة للانتباه، هو أن قلة قليلة من هذه المشكلات المتفردة إيجابية في جوهرها». في الوقت نفسه، تضرر الوون الكوري الجنوبي، بعدما قرر الرئيس يون سوك يول، إعلان الأحكام العرفية، وهو القرار الذي عدل عنه في وقت لاحق.

من ناحية أخرى، تسببت مكاسب الدولار في انخفاض اليورو إلى مستويات متدنية بالأشهر الأخيرة. ويرى مارك ماكورمك رئيس وحدة استراتيجيات أسعار الصرف والأسواق الناشئة لدى «تي دي سيكيوريتيز»، أن هذه أنباء غير سارة لعملات الأسواق الناشئة، التي «تدور في فلك اليورو»، بما في ذلك الزلوتي البولندي والفورنت المجري.

وقال وايزمان من «ماكواري»، إن البيع الكثيف لعملات الأسواق النامية، أسهم في إنعاش السردية الاستثمارية التي تقضي بعدم وجود بديل عن الاستثمار في الولايات المتحدة. وأكد قائلاً: «لا توجد أي أسواق ناشئة في الوقت الراهن تتفرد بأن لديها وضع اقتصادي قوي».