إفراط في تفاؤل «أوبك» تجاه مستقبل الطلب العالمي على النفط

سايمون موندي

نشرت مجموعة الدول المصدّرة للنفط «أوبك» منذ أيام تقريراً يتوقع شكل الطلب على الطاقة حتى منتصف هذا القرن. يأتي ذلك على خلفية تزايد مستمر لمبيعات السيارات الكهربائية التي تغيّر من توقعات قطاع النقل البري، وهو يعتبر المصدر الأكبر للطلب على النفط.

كذلك، فقد جاءت أزمة مضيق هرمز لتعزز الحاجة إلى بذل المزيد من الجهود للحدّ من التعرّض لتقلبات أسواق النفط والغاز.

لكن وفقاً لأوبك، سيكون ربع القرن المقبل عصراً ذهبياً لمنتجي النفط العالميين. ويتوقع التقرير أن يرتفع الطلب على النفط بقوة ليصل إلى 124.1 مليون برميل يومياً، مقارنة بـ 105.1 ملايين برميل يومياً العام الماضي. فما الذي يجعل «أوبك» متفائلة إلى هذا الحد المفرط؟

ويُركّز التقرير بدرجة كبيرة على تراجع الزخم حول العمل المناخي الدولي. ويقول التقرير في هذا السياق: «لقد بات من الواضح أن السياسات المُعتمدة سابقاً لخفض الانبعاثات كانت طموحة للغاية، ولذلك، تشهد بعض المناطق تراجعاً كاملاً عن هذه السياسات».

وهذا وصف دقيق للتحول الذي شهدته الولايات المتحدة في عهد رئاسة دونالد ترامب؛ وفي الوقت نفسه، يتعرض الاتحاد الأوروبي لضغوط لإعادة النظر في استراتيجيته المناخية، وقد خفف الاتحاد بالفعل من أهدافه المتعلقة بانبعاثات النقل البري - وإن كان هذا التراجع يبقى طفيفاً مقارنة بالتراجع الأمريكي.

لكن التقرير لا يولي اهتماماً كافياً بالتقدم التكنولوجي الذي حسّن أداء السيارات الكهربائية وخفّض تكلفتها، مما مكّنها من مواصلة اكتساب حصة سوقية متزايدة.

ووفقًا لتقرير حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية، نمت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 20% العام الماضي لتتجاوز 20 مليون سيارة، أي ربع إجمالي السيارات المباعة.

ويتوقع التقرير أن تستمر مبيعات السيارات الكهربائية في النمو بوتيرة أسرع بكثير من نمو سوق السيارات العالمي ككل، الذي لم ينمُ إلا بنسبة 3.5% العام الماضي، وفقاً لرابطة مصنعي السيارات الأوروبية. وتشير «بلومبيرغ إن إي إف» إلى أن المبيعات العالمية لسيارات محركات الاحتراق الداخلي تشهد انخفاضاً منذ عام 2017.

ويُشير منطق النمو المُركّب إلى أنه طالما استمرت مبيعات السيارات الكهربائية في الارتفاع بوتيرة أسرع من السوق بشكل عام، فإنها ستُنجح في نهاية المطاف من إخراج محركات الاحتراق الداخلي من سوق السيارات تماماً.

ولنأخذ الصين مثالًا، حيث شكّلت السيارات الكهربائية القابلة للشحن - التي تزداد رخصاً وجاذبية من سيارات محركات الاحتراق الداخلي - نسبة قياسية بلغت 62.9% من سيارات الركاب الجديدة المباعة الشهر الماضي، استناداً إلى بيانات جمعية سيارات الركاب الصينية.

ومع ذلك، تحاول منظمة أوبك إقناعنا بأن سيارات «الوقود البديل» ستظل تُمثّل أقل من نصف عدد المركبات على الطرق الصينية بحلول عام 2050.

وتُقدّر أوبك أن أكبر مصدر لنمو الطلب على النفط سيأتي من الدول النامية التي من المتوقع أن يرتفع طلبها على الطاقة بشكل كبير خلال العقود القليلة المقبلة.

ولا تزال السيارات الكهربائية تُشكّل نسبة صغيرة نسبياً من مبيعات السيارات في هذه الأسواق، لكنها سجلت بعضاً من أسرع معدلات النمو في الآونة الأخيرة.

وعلى سبيل المثال، فإنه خلال الربع الأول من العام الجاري، ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 80% في دول آسيا والمحيط الهادئ باستثناء الصين، وبنسبة 75% في أمريكا اللاتينية.

وتتوقع «أوبك» أيضاً أن ينمو الطلب على النفط في الهند بنسبة 145% بحلول عام 2050، ولكن كما تفيد التقارير، فإن التوقعات بنمو السيارات الكهربائية تتزايد هناك أيضاً، مدفوعة جزئياً بتأثير اضطرابات سوق النفط الأخيرة.

وبينما تؤكد أوبك على أن الشاحنات التجارية المستهلكة للوقود بكثرة تتحول إلى الكهرباء بوتيرة أبطأ من سيارات الركاب، فإن الطاقة المولدة من البطاريات تشهد نمواً قوياً ومتزايداً في هذا القطاع أيضاً.

ومن المرجح أن تكون قطاعات أخرى من الطلب على النفط أكثر قوة. فمن المتوقع أن يرتفع الطلب بقطاع الطيران مع توسع الطبقة المتوسطة في الدول النامية، ولا يزال مسار إزالة الكربون من قطاع الشحن غير واضح المعالم.

ولا توجد أي مؤشرات على انخفاض احتياجات صناعة البتروكيماويات من المواد الهيدروكربونية، والتي تستهلك حوالي 15% من النفط المباع سنوياً، وفقاً لتقديرات أوبك.

ومع ذلك، قد لا تكون هذه الأسواق الأخرى كافية لتعويض انخفاض مبيعات النقل البري، الذي يمثل نحو نصف إجمالي الطلب على النفط. وتوقعت وكالة الطاقة الدولية، في آخر توقعاتها السنوية للنفط، أن يستقر إجمالي الطلب العالمي على النفط خلال السنوات القليلة المقبلة، وأن ينخفض انخفاضاً طفيفاً في عام 2030.

إن انخفاض الطلب على المدى الطويل سيثير تساؤلات حول مستقبل منظمة أوبك نفسها، لأنه إذا فقد الأعضاء ثقتهم في التوقعات، فقد يمتنعون عن الالتزام بقواعد المنظمة المتعلقة بحدود الإنتاج، وسيسعون بدلاً من ذلك إلى تعظيم المبيعات ما دام الطلب قائماً، وتجنب الوقوع في فخ الأصول العالقة.

ويمكن أن يكون انسحاب دولة الإمارات الأخير من أوبك مؤشراً على ما سيأتي، حسبما يؤكد آدي إمسيروفيتش من جامعة أكسفورد، والذي يضيف: «إن الطلب على النفط، الذي كان ثابتاً وموثوقاً حتى الآن، يتباطأ ويصبح أقل موثوقية.

ولا يكمن الخطر الأكبر في انخفاض الأسعار، بل في ترك النفط في باطن الأرض دون بيعه أبداً». ولذلك، فإنه رغم إظهار الثقة علناً في الطلب العالمي على النفط على المدى الطويل، فمن الحكمة أن يكون لدى الأعضاء المتبقين في أوبك خطط طوارئ جاهزة.