كاتي مارتن
أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن «أسواق الأسهم متألقة للغاية». كان ترامب محاطاً ببعض كبار مسؤوليه، خلال تصريحات له بقمة مجموعة السبع في فرنسا عن اتفاقه الهادف إلى تحقيق السلام مع إيران.
وقال: «في كل مرة تحدثنا فيها عن إمكانية السلام ارتفع سوق الأسهم كالصاروخ. لم ينخفض أبداً.. سوق الأسهم أكثر تألقاً من أي شخص آخر.. باستثنائي أنا بالطبع».
ويبدو أن ترامب محق في نقاط عدة، ومن الواضح أن مستثمري الأسهم فكوا شفرة الأسواق في ظل رئاسة ترامب، وفهموا كيفية التعامل مع تصريحاته المتضاربة أحياناً، وقد كان هذا تحدياً صعباً طوال العام ونصف العام الماضيين تقريباً. وكان من العسير تحديد أي من تصريحات ترامب مهمة، وأيها غير مهمة، وأيها تستند إلى واقع موضوعي ملموس، وأيها لا تستند إليه،
لكننا نرى الآن نمطاً واضحاً، وهو أنه عند أول إشارة تدل على تراجع الرئيس عن قرار غير تقليدي في السياسة الخارجية يؤثر على السوق، يحين وقت الانقضاض في الأسواق. القلقون (وأنا منهم) يقلقون كثيراً بشأن التفاصيل، ويطرحون الكثير من الأسئلة: هل يعني وقف إطلاق النار قرب السلام؟ متى سيُحرر تدفقات الطاقة العالمية؟ ولكن، ولكن، ولكن.
الآن بات من الواضح أنه لا شيء من هذا يهم، المهم هو الإشارة إلى متى سيكتفي الرئيس، لذلك منذ بداية أبريل عندما تحدث ترامب للمرة الأولى عن انتهاء الحرب في «أسبوعين أو ثلاثة» ارتفعت الأسهم الأمريكية بأكثر من 14 % في مسار سلس، وبالمثل تسببت لحظة «تجميد» الرئيس الأمريكي لزيادة الرسوم الجمركية الهائلة على التجارة العالمية في أبريل 2025، في انطلاق الأسهم في صعود مذهل لم يتوقف حتى بدأت حرب إيران.
إذن يبقى شراء الأسهم عند انخفاض أسعارها خياراً رابحاً، وحتى لو تجاهلتَ تماماً هاتين اللحظتين المهمتين في تاريخ الأسواق المالية، واكتفيتَ بالاستثمار في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للأسهم الأمريكية منذ أواخر مارس 2025 لكنتَ الآن رابحاً بنسبة 30 %.
أما في سوق السندات الحكومية الأكثر تقلباً فالوضع مختلف، حيث لم تتعافَ سندات الخزانة الأمريكية من الانخفاض الحاد، الذي شهدته مع بداية الحرب، ولم يصدّق المستثمرون في هذا السوق، الذين يعتبرون أنفسهم أعمق في التحليل من مستثمري الأسهم، التلميحات لوقف إطلاق النار مع إيران، ومع عدم عودة أسعار السندات الإيرانية، واستمرار حركة الاقتراض، فمن المرجح أن يستمر هذا الوضع لبعض الوقت.
وتحت السطح يتخذ المستثمرون الكبار المحافظون، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين والبنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية، خطوات فعّالة للحد من تعرضهم لمخاطر تتعلق بمصداقية المؤسسات الأمريكية، وقد لا تؤثر المغامرات الجيوسياسية الجامحة على الأسهم طالما استمرت الشركات في تحقيق أرباح طائلة، لكنها تهم أكثر مستثمري السندات، لأنهم يتخذون إجراءات بناء على ذلك.
هذا الأمر دقيق، وسيستغرق وقتاً ليتضح، ولا يتعلق بخطر قيام هؤلاء المستثمرين بالتخلص من حيازاتهم من سندات الخزانة، ولكن كما أشار المتحدثون في قمة السندات العالمية التي نظمتها صحيفة «فاينانشال تايمز» خلال الأسبوع فإن المستثمرين يأخذون خطر التدخل السياسي في السياسة النقدية الأمريكية على محمل الجد، وقد يتبين في النهاية أن هذا القلق مبالغ فيه.
وفي أول مؤتمر صحفي له بعد الاجتماع رئيساً جديداً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي هذا الأسبوع لوّح كيفن وارش باتخاذ موقف متشدد تجاه التضخم، ورفع أسعار الفائدة - وليس خفضها مثلما طلب ترامب من سلف وارش مراراً وتكراراً. وقد أعلن ترامب أنه لا يكترث بما يحدث، لكن يجب ألا ننسى أن هذه هي فترة شهر العسل لرجل ترامب، الذي اختاره ليكون رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، ويبقى بعض مستثمري السندات متخوفين من أي تدخل في أسعار الفائدة قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
من ناحية أخرى اتفق المسؤولون عن إصدار سندات حكومية جديدة حول العالم - في ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وكندا والاتحاد الأوروبي - على أن هناك الآن طلباً متزايداً من مناطق كانت تُعتبر سابقاً من المشترين غير المؤثرين. وباتت الحسابات في الشرق الأوسط وآسيا، التي عادة ما تنظر بعين الريبة إلى أي شيء عدا سندات الخزانة، مصدراً حيوياً للطلب لأول مرة، كما أكد مات إمدي، من هيئة إصدار السندات الكندية، على وجود طلب «قوي جداً» على إصدارهم الأخير المقوم بالدولار الأمريكي.
وكل ذلك لا يزال في مراحله الأولى، لكن ما قد نشهده هنا هو بداية محاولة لخلق منافسة صحية لسوق الدين الأمريكي المهيمن. وسيتعين على الولايات المتحدة بذل جهد أكبر، لضمان استمرارها في جذب المستثمرين الذين هي في أمس الحاجة إليهم لتحقيق التوازن في ميزانيتها. أياً كان الآمر،فالمضاربون «البارعون» في سوق الأسهم يقومون بشراء الأسهم عند انخفاضها، أو يتجاهلون الفوضى، أو يقومون بكليهما، وهذا أمر منطقي تماماً بالنسبة لهم، أما مشترو السندات فهم يتابعون أدق التفاصيل، ويدققون في كل شيء، ويبحثون عن بدائل لسندات الخزانة، تحسباً لأي طارئ، وفي كل الأحوال فقد تمكن كلا الجانبين من فهم ترامب بطريقة أو بأخرى.
