طفرة كبيرة في تجارة الكوكايين عالمياً.. فما الذي يحدث؟

جيف داير - جو دانيلز

اعتقدت الكولومبية نورا تاكواناس أن الاستقرار قد حلّ أخيراً في منطقتها الريفية في كولومبيا عام 2016، عندما وقّعت الحكومة اتفاقية سلام مع أكبر جماعة مسلحة في البلاد لإنهاء نصف قرن من التمرد. لكن بعد مرور عقد واحد، تقول تاكواناس إن الصراع في مقاطعة كاوكا، الواقعة جنوب غربي البلاد بين المحيط الهادئ وسفوح جبال الأنديز «أصبح الآن أكثر حدة وشراسة».

وتضيف تاكواناس، وهي زعيمة مجتمع صغير من السكان الأصليين، تبلغ من العمر 35 عاماً: «في الماضي، كان بإمكانك الإشارة إلى جماعة ما، والجلوس مع أشخاص معنيين، والتحدث معهم لحل الأمور.

أما الآن، فنحن نتعامل مع جماعات تحركها في المقام الأول أطماع قوية». وحلت جماعات مسلحة محل المتمردين اليساريين- القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، الذين وقعوا اتفاقية السلام عام 2016، وتركز هذه الجماعات المسلحة على تهريب المخدرات لتحقيق الربح بأي طريقة كانت.

وزادت هذه الجماعات من إنتاج الكوكايين بشكل هائل، وطورت أسواقاً جديدة له. ونتيجة لذلك، باتت الجريمة المنظمة والعنف ضمن أبرز القضايا المحورية في مدن تمتد من أنتويرب إلى ريو دي جانيرو. وقد تضاعف إنتاج الكوكايين أكثر من 3 مرات خلال العقد الماضي، ويتجه جزء كبير من الإنتاج الجديد إلى أوروبا.

وبالنسبة لكولومبيا نفسها، فإن هذا الارتفاع الكبير في الإنتاج، يُظهر كيف أن الصراعات الأهلية طويلة الأمد في البلاد، تُغذّيها الآن جيوش خاصة تسعى للربح، وتُموّل نشاطها من تجارة الكوكايين العالمية.

وقد تسارعت هذه العملية في عهد الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو. وبفضل عائدات الكوكايين المتزايدة، سيطرت هذه العصابات على المزيد من الأراضي، وتوسعت في التنقيب غير القانوني عن الذهب، وزادت أنشطة الاتجار بالبشر. وتشير بيانات مركز «أكليد» للأبحاث، إلى أن حوالي 50 % من البلديات في كولومبيا تضم الآن جماعات مسلحة.

وتعد كيفية التعامل مع هذه الجماعات المسلحة قضية محورية في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، يوم الأحد، بين أبيلاردو دي لا إسبريلا وإيفان سيبيدا، والتي تشهد استقطاباً حاداً.

ويعد دي لا إسبريلا، المحامي الجنائي السابق اليميني، ذو الحضور القوي على وسائل التواصل الاجتماعي، بشن «هجوم عسكري شامل» ضد جماعات المخدرات، بينما يفضل سيبيدا، السيناتور اليساري ونجل زعيم الحزب الشيوعي، الذي قُتل على يد جماعات مسلحة، المفاوضات وسيلة للحل. وفي الخلفية، تقف إدارة ترامب، المتلهفة لتبنّي نهج عسكري أكثر صرامة لمواجهة ما تسميه جماعات «إرهاب المخدرات» في أمريكا اللاتينية.

ويقول خوان مانويل سانتوس الرئيس السابق الحائز على جائزة نوبل للسلام لتفاوضه على اتفاقية 2016، إن تحديات العصابات المسلحة في كولومبيا، قد امتدت لتشمل المنطقة بأسرها. ويضيف: «كان ينبغي على الدولة أن تملأ الفراغ، لكنها بدلاً من ذلك تركته لتملأه جماعات إجرامية عبارة عن مافيات».

وأدخل الجيل الجديد من العصابات المسلحة في كولومبيا مستوىً أعلى من الاحترافية في إنتاج الكوكايين، الذي بات يُمارس على نطاق أوسع بكثير. وتم تطوير أصناف جديدة من محاصيل الكوكا، واعتماد أساليب معالجة أكثر تطوراً، ما يسمح بإنتاج كميات أكبر من الكوكايين من كل ورقة. وقد تضاعفت المحاصيل خلال العقدين الماضيين، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.

وبحسب الأمم المتحدة، زادت مساحة الأراضي المزروعة بالكوكا في كولومبيا بنحو النصف بين عامي 2018 و2023، لتصل إلى 253 ألف هكتار. وقد تم حظر التبخير الجوي (أو رش المبيدات جواً) على مزارع الكوكا المشتبه بها، عقب قرار قضائي صدر عام 2015، وهو ما ساهم إلى حد كبير في تسريع وتيرة التوسع في الإنتاج.

وقد تسبب هذه الارتفاع السريع في الإنتاج، في انخفاض حاد في أسعار الكوكا عام 2022، لتتراجع الأسعار إلى النصف على الأقل. لكن بدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تقليص الإنتاج، كثفت جماعات الجريمة المنظمة جهودها لخلق مصادر طلب جديدة.

ولذلك، شهدت أوروبا زيادة كبيرة في توافر الكوكايين، وتزايد جرائم المخدرات. وباتت القارة الآن تستهلك من الكوكايين ما يقارب ما تستهلكه الولايات المتحدة. ووفقاً للوكالة الأوروبية للمخدرات، صادرت الدول الأعضاء 419 طناً من الكوكايين عام 2023 (وهو آخر عام تتوفر عنه إحصاءات)، مسجلةً بذلك رقم قياسياً سابعاً على التوالي.

كذلك، توسعت عصابات المخدرات في أنشطة غير مشروعة أخرى. وينخرط العديد منها الآن بشكل كبير في التنقيب غير القانوني عن الذهب، الذي أصبح نشاطاً رائجاً، خاصة عندما ارتفع سعر المعدن. ويقول الخبراء إن هناك حالات استغلت فيها عصابات المخدرات نفس شبكات النقل التي تستخدمها لتصدير الكوكايين، في استيراد الزئبق اللازم لعمليات التعدين الحرفي لاستخراج الذهب من الخام. كذلك، بات الاتجار بالبشر نشاطاً متنامياً.

ولسنوات طويلة، شكّل الكوكايين وسيلة أكثر منه غاية بالنسبة للقوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، التي تشكلت من متمردين بلا أرض، اعتنقوا الماركسية. وموّلت هذه الجماعة نضالها الوحشي ضد الدولة الكولومبية، عن طريق الابتزاز والخطف، قبل أن تلجأ إلى المخدرات في ثمانينيات القرن الماضي.

ولم تكن «فارك» تشارك بشكل مباشر في تصنيع الكوكايين، لكن إلى جانب فرض ضرائب على مزارعي الكوكا، كانت تقدم مجموعة من الخدمات لتجار المخدرات، بما في ذلك حماية مختبرات التصنيع وطرق التهريب. ولذلك، قدّرت الشرطة الكولومبية في عام 2013، أن فارك كانت تسيطر فعلياً على 60 % من تجارة الكوكايين.

وعندما بدأت الجماعة في نزع سلاحها عام 2016، ساد الذعر بين عصابات المخدرات في العالم لبعض الوقت. وجاء البديل من خلال جلب مجموعات من كارتل «سينالوا» في المكسيك والمافيا الألبانية، إلى غابات كولومبيا، لتأمين الإمدادات، ودعم منتجين جدد.

وباتت سلسلة التوريد الجديدة الآن أكثر تجزؤاً وتخصصاً، مع بروز ثلاث جماعات منفصلة كمصادر رئيسة للكوكايين. وإحدى هذه الجماعات، هي جيش التحرير الوطني (ELN)، وهي جماعة مسلحة أخرى، تعود جذورها أيضاً إلى سياسات اليسار المتطرف العنيفة في ستينيات القرن الماضي، ولها الآن وجود كبير في فنزويلا.

وتألفت الجماعة الثانية من أعضاء سابقين متشددين في «فارك»، رفضوا اتفاقية السلام لعام 2016، وأسسوا منظمات منشقة، باتت اليوم من اللاعبين المهمين في تجارة الكوكايين.

ثم هناك عصابة «كلان ديل غولفو»، التي أسسها أعضاء من الجماعات شبه العسكرية اليمينية، التي ظهرت في تسعينيات القرن الماضي لمحاربة جماعات اليسار المسلحة، لكنها تحولت لاحقاً إلى جماعة إجرامية منظمة. وتعتبر في نظر البعض المستفيد الأكبر من اتفاقية 2016. وكشف تقرير حديث أن لديها هيكلاً إدارياً أشبه بالشركات متعددة الجنسيات، مع أقسام متخصصة لأنشطة مثل التجنيد، وحتى الإشراف على مختبرات التصنيع.

لكن كيف حلت هذه الجماعات محل «فارك»؟ هذا محور لتبادل حاد للاتهامات في كولومبيا، ويعود ذلك جزئياً إلى حدوثه في عهد كل من إيفان دوكي الرئيس المحافظ، الذي تولى الرئاسة من عام 2018 إلى عام 2022، وخليفته بيترو، الذي نادى باستراتيجية «السلام الشامل»، التي تتضمن إجراء محادثات مع جميع الجماعات المسلحة.

وبعد تعرض دوكي لوابل من الهجوم لعدم التزامه باتفاقية السلام، أطلق بيترو خطته الشاملة للسلام (Paz) في عام 2022. وكان المبرر، هو أنه ما لم تشارك جميع الجماعات، فقد يتردد البعض في نزع سلاحهم، خوفاً من أن تستولي جماعات أخرى على أراضيهم.

لكن المنتقدين يقولون إن التنفيذ كان معيباً بشكلٍ خطير، خاصة مع قلة التنسيق، وانعدام الأهداف الواضحة. ومن الملاحظ أن معدل جرائم القتل المرتبطة بتجارة المخدرات، باتت أقل بكثير من المستويات التي شُوهدت خلال التسعينيات، عندما كان تاجر المخدرات بابلو إسكوبار يُحارب الدولة الكولومبية.

لكن عمليات الابتزاز والاختطاف ازدادت خلال السنوات الأربع الماضية، مع توسع أعداد جماعات الجريمة المنظمة. ووفقاً للسلطات الكولومبية، ارتفع عدد المنخرطين في الجماعات المسلحة من 12,883 شخصاً عام 2018، إلى 27,121 شخصاً بنهاية العام الماضي.

وفي مارس الماضي، نفذت الولايات المتحدة عملية عسكرية مشتركة ضد جماعة يُزعم أنها تتاجر بالمخدرات في الإكوادور المجاورة، ويعتقد بعض المحللين أن هذه العملية قد تصبح نموذجاً يُحتذى به في دول أخرى. لكن العديد من المراقبين يرون أن هناك حدوداً لما يمكن أن يحققه أي هجوم عسكري جديد في كولومبيا.

فبينما كانت «فارك» تنشط انطلاقاً من معسكرات في الأدغال، فإن العديد من الجماعات المسلحة الحالية تعيش وتنشط بين المجتمعات المحلية التي تسيطر عليها.